دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر الكريم .. زيارتك لنا أسعدتنا كثيراً .. و لكن لن تكتمل سعادتنا إلا بانضمامك لأسرتنا .. لذا نرجوا منك ملئ النموذج التالي من فضلك

اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر
البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني



هل انت موافق على قوانين المنتدى؟


كاتب الموضوع Muthar مشاركات 0 المشاهدات 1975  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-08-2014, 06:11 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
 
الصورة الرمزية Muthar

البيانات
التسجيل: Feb 2007
العضوية: 64
العمر: 72
المشاركات: 164 [+]
بمعدل : 0.04 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 2333
نقاط التقييم: 10
Muthar is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
Muthar غير متواجد حالياً

المنتدى : الأستاذ الدكتور مـضـر خـليل عـمر خليل الكيلاني ( العراق )
افتراضي بيئة الابتكار والابداع تحليل جغرافي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المرفق مقال ترجمته لاهميته ، وضرورة الاطلاع على فحواه ، والله من وراء القصد .
الإبداع في الزمن و المجال

Gunnar Toِrnqvist كونار تورنكفست

1 - المفاهيم الأساسية
أ - مفهوم الابتكار Innovation
طور الاقتصادي Joseph A. Schumpeter نظرية عن الكيفية التي تخلق الابتكارات تنمية حلقية ، أو دورة cycle للأعمال من نمو وازدهار ثم تداعي . ومن خلال ما يؤدي إليه الإبداع من تدمير لبعض البنى والمعطيات ، ولان الاقتصاد الرأسمالي يتقدم ويتطور ، فعملية التجديد تتحرك كذبذبات متتابعة عبر الاقتصاد . وطبقا لهذه النظرية فان المستثمر يلعب دورا مركزيا في هذه العملية . فهو قادر على إيجاد منتجات جديدة ، ومصانع جديدة من خلال تجميع
و تطوير معلومات موجودة في معظمها . وقد ميز Schumpeter بين الابتكار Innovation والاختراع invention . وعلى الرغم من ان ذوي الخبرة مبتكرون ، إلا أن المستثمرون نادرا ما يكونوا مخترعين .
و أطلقت تسمية الابتكارات التقنية على العمليات التي تمتد بين الاختراع و المنتجات النهائية للتسويق . وما يعرف بالابتكار المنتج قد يكون منتجا جديدا بالكامل ، أو تنويع لمنتج موجود أصلا . وتؤدي عملية الابتكار إلى زيادة في الإنتاجية من خلال السماح بإنتاج سلع أكثر بوقت اقصر و جهد و كلف اقل ، وبمكائن جديدة أو بطرائق جديدة لتنظيم الإنتاج . وفي السنوات الراهنة ، فقد طور ميدان بحثي شامل لدراسة عمليات الابتكار ونظم الابتكار وطنيا وإقليميا .
ولا ينحصر مفهوم الابتكار الاقتصادي في إنتاج السلع . فقد طبق على أنواع الخدمات الجديدة ، و إجراءات التوزيع والإدارة ضمن القطاعين الخاص العام . ففي السنوات الراهنة ، يرد السؤال عن الكيفية التي تؤثر بها علاقات المؤسسة على عمليات الابتكار. فالمصانع المعزولة مكانيا ، وغيرها من المنظمات نادرا ما تبتكر . فمعظم المعامل تجدد طرائق إنتاجها وتطور منتجات و خدمات جديدة لها من خلال التفاعل مع المصانع الأخرى والمؤسسات و الزبائن و المنافسين و موزعي المواد والخدمات . و تشكل القوانين و التعليمات و التبدلات في الأنماط الحضارية هيكلا لشبكة التفاعل . وضمن الشبكة فان دورات الابتكار تتطلب العلاقات وهذه تأخذ وقتا ، وقد تكون صعبة التفاصيل . وحالما تظهر نتائج البحث فان الابتكارات تتطور لتصبح منتجات تجارية ناجحة ، وعندها يكون السؤال هل هذا تطور أم ثورة ؟
طور هيكر ستراند في جامعة لوند النظرية الجغرافية عن الابتكارات و انتشارها مستخدما مفهوم عملية الانتشار ، كعملية مكانية تعرض الكيفية التي تنتشر بها الابتكارات بشكل ناجح بين الأفراد و المستوطنات و المعامل ضمن إقليم جغرافي محدد . وقد تكون هذه الابتكارات منتجات جديدة ، أو تكنولوجيا ، أو أزياء ، والكثير غيرها . باعتماد هذا المدخل ، فقد تركنا خلفنا مفهوم الابتكار ، وركزنا الانتباه على الإبداع والتجديد . و عمليات الإبداع هي التي قد تحدث قبل أو لربما في أوائل عملية الابتكار أو عملية الانتشار . وطبقا لرأي Schumpeter فان الاختراع الأصلي أو الاكتشاف و الحالات المحيطة به هي التي يجب ان تدرس .

ب – مفهوم الإبداع Creativity
لقد اهتمت الجغرافيا الاقتصادية منذ زمن غير قصير بعمليات الابتكار ، وبالاحتكاك مع العلوم الاقتصادية فقد تعاظم الاهتمام بها . وبالإضافة إلى الدراسات عن الإبداع ومتطلبات التجديد renewal فقد توثق الاهتمام العام الذي تشترك به الجغرافيا الاقتصادية مع العلوم السلوكية ، وليس بأقلها الفنون و العلوم الحضارية و الإنسانية . فمن المستحيل عمليا الحصول على نظرة شاملة للكتابات التي عالجت عمليات الإبداع و الطاقة الإبداعية للأفراد . وقبيل سنوات خلت قام باحث روسي بالإشارة إلى ان هناك على الأقل (10) آلاف مطبوع يبحث في هذا الموضوع . واليوم ، فان العدد يفوق ذلك حتما .
ويجلب العبقريون و المتميزون بالإبداع اهتمام المحيطين بهم دوما . والباحثون و الكتاب من مختلف الخلفيات العلمية يحللون الطرق التي تؤهل الانسان للإبداع والابتكار ، و الكيفية التي يعمل بها . وبالطبع ، يستحيل اليوم تجاوز الكتابات الكثيرة عن الكيفية التي يطور بها الشخص قدراته في التفكير الإبداعي .
في هذا المقال فان مفهوم الإبداع يستخدم التعاريف الواسعة في المعنى والنوعية . ولابد من الفصل في المقياس scale المتصل للمعنى الذي يمتد من المعنى اليومي العام إلى المبدع فعلا والعبقري الحقيقي . وفي الحد الأدنى من هذا المقياس فان جميع المخلوقات البشرية عدت ذات خصائص إبداعية . وفي مكان ما في الوسط ، يأتي ادعاء Richard Florida بأنه في السنوات الراهنة ، يبدو ان هناك تسارعا في نمو طبقة المبدعين . فهذه الطبقة تتكون من العلماء ، المهندسين ، المعماريين ، المصممين ، الكتاب و الأدباء من مختلف الأنواع . وفيها أيضا أعضاء يعملون في الأعمال و التعليم و الرعاية الصحية و القانون . إجمالا ، تضم الطبقة المبدعة 38 مليون نسمة في الولايات المتحدة وحدها ، ويساوي هذا 30% من القوة العاملة فيها . وطبقا لهذا التعريف فانه ليس صعبا الاستنتاج بأنه كل شخص و بمستوى تعليمي عالي ينتمي لهذه الطبقة .
وكما في الأمثلة التي ستعرض عن الأشخاص المبدعين والبيئات ، فان مفهوم الإبداع ضيق ما لم يكن مطاطا . ولا يحول هذا دون الاستنتاج من هذه الأمثلة وتطبيقها بمنظور واسع . وبالجانب الآخر ، فان أنواع التجديد سيتم تحديدها بمدى واسع . وافتراضنا الأساسي ان عمليات التجديد ستبدو متباينة في مجالات الأدب ، الفن ، الموسيقى ، الفلسفة ، العلوم ، والتقنيات استنادا على تشابه المتطلبات . وهذا الافتراض معزز بقوة في الكتابات ذات الصلة في هذا الموضوع . و تعتمد مفردات الطاقة الإبداعية و ثروة الأفكار و المخيلة للتعبير عن الخصائص الموروثة و المكتسبة (عن طريق التعلم) لدى الأفراد . وعملية الإبداع قد ينظر لها كشيء يحدث بمعزل عن فكر الفرد . وهنا يمكننا تخيل حال الرسام امام حامل لوحة الرسم ، و المؤلف الموسيقي مع البيانو و الكاتب في مكتبه والباحث في المختبر أو عند الحاسبة . فعند الكثيرين تكون الخلوة متطلبا جوهريا للتركيز الذي يتطلبه الإبداع . وفي الوقت نفسه ، ومع هذا ، فمن الواضح ان الأفكار الجديدة تبنى على رأسمال من الخبرات المتجمعة عبر التفاعل مع المحيطين . فعمليات التجديد لا يمكن ان تتطور في مجال خال وبدون تحفيز و دوافع خارجية .
ج – مفهوم البيئة Milieu
إن هذه الدراسة محددة بظروف الإبداع الأساسية ، مع تركيز رئيس على البيئة التي يعمل بها المبدع ، وحيثما يكون هناك برهان على ان العملية الإبداعية قد أخذت مكانها . وهناك شيء يجب تذكره دوما ، ان أرضية التجديد لعلم معين نادرا ما تعود إلى شخص واحد . فالأسئلة عن الأفراد المبدعين يجب ان تدمج مع بعضها البعض . إجمالا ، في العمل الإبداعي هناك عدد من المساعدين غير المرئيين الأحياء وغير الأحياء . فقد ورثنا مجموعة من الأدوات الفنية أو العلمية ، ونحن مرتبطون بشبكة من الظروف الحضارية والاجتماعية . فحتى المعتكفون
و الخارجيين لديهم صلات خارجية لتجنب الذبول والخمول الذاتي .
2 - أمثلة عن بيئة الإبداع
للاختصار ، سوف لا تقدم تفاصيل عن الأمثلة المدروسة . ومعظم هذه البيئات معروفة بشكل جيد ، كما هو حال الأشخاص الذين عملوا فيها . فالعملية الإبداعية سواء أكانت تطوير تقنية ، أو بحث أو نشاطات فنية منوعة ، فإنها تتطلب الأجواء المحيطة بها . وكل بيئة فيها الإيجابيات و فيها معوقات التجديد . وبعد التقديم القصير هذا نستعرض ونناقش مختلف الأمثلة .
لقد تشكلت مرئيات (صور) ثلاثة عن أنواع من البيئات . فهناك مناطق جغرافية و أماكن تدرك وكأن الإبداع والتجديد يتشكلان فيها . وهناك مؤسسات و منظمات قد حدثت فيها الابتكارات والتجديدات الشاملة . وفي بيئات أخرى ، فان مفهوم الشبكات يوصف وبشكل جيد كيف تحدث الأفكار وتنتشر عبر الاتصالات . ومع هذا ، فان الاختبار الدقيق لها يوضح ان الفروقات بين مختلف أنواع البيئات هو مضلل جزئيا . وبديهي ، فان سؤال الأفراد المبدعين عن كيفية التعاون مع الآخرين و بمختلف الوسائل لا يعطي فكرة كاملة ودقيقة . وسيتم تفحص ذلك في أدناه . فمن الأمثلة الملاحظة تأريخيا ، مدينة اثنا ، خاصة خلال القرن الرابع قبل الميلاد
(400s BC) حيث كانت مهدا للحضارة الغربية ، إضافة إلى الإسكندرية و الكثير من مدن منطقة البحر المتوسط آنذاك . ومدينة فلورنسا كانت مثالا لبيئة المدينة الإيطالية في أواخر العصور الوسطى و بداية النهضة الأوربية ، حيث كانت مركزا للتجديد في التجارة ، وفي الحرف اليدوية والمعمار والفن . وأمثلة مشابهة وجدت قبل ذلك في العالم الإسلامي ، و خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في الأراضي المنخفضة .
وكان تقدم مانشستر مثالا من السنوات الأولى من عصر الصناعة . وكذلك تقف مدن فينا
و كوتنبرك و سانت بتسبرك أمثلة لأماكن ولادة التجديد في عدد من التخصصات في الأدب
و التقنيات و العلوم و الفن في أواخر القرن التاسع عشر . والمجموعة المعروفة باسم Bloomsbury Group التي كانت نشطة بين 1904 - 1956 توفر لمحة طويلة الأمد عن القرن الماضي حيث وجدت بيئات إبداعية في مدينة لندن . وفي الوقت نفسه ، فان الإبداع لم يفهم بعد بأنه ناتج عن تحفيز من البيئة الطبيعية ذاتها . ولكن ، ومن خلال عدد محدود من الأشخاص ذوي الاتصالات الناضجة الحميمة . والشيء نفسه يمكن ان يقال عن باريس وحلقة الناس المصاحبين لمكتبة (شكسبير وصحبه) في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية . والمؤتمرات تمثل بيئات مهمة للتجديد العلمي ، فمؤتمر الفيزيائيين الأول عقد عام 1911
و المؤتمر الحادي والعشرين في عام 1998 دليل على ذلك .
ونقطة التحول الكبرى في العلوم قد جاءت خلال الحرب العالمية الثانية ، ونسبة كبيرة من الطاقة العلمية و التقنية للدول المتحاربة قد ارتبط بالحرب بشكل مباشر وغير مباشر. فمشروع مانهاتن في الولايات المتحدة قد وجه لانتاج القنبلة الذرية ، وهذا مثال على المقياس الكبير عن التعاون اللصيق بين الصناعات الحربية و الأبحاث . و بطريقة مشابهة ولكن بصيغة حرة جاء برنامج أبحاث الفضاء العملاق الذي تطور لاحقا . وخلال سنوات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي ، فان التعاون بين الصناعة و الأبحاث استمر وتطور ، وليس فقط في الولايات المتحدة بل وفي بريطانيا ، وفرنسا و العديد من الدول الأخرى .
وعلى مدى التطورات المشار إليها آنفا ، فان الاهتمام الشامل ببيئة البحث العلمي، وخاصة تلك التي تمثل موقدا تنضج عليه تطورات التقنيات و الطب و العلوم الطبيعية لم يتبلور بعد . وفي الغالب ، توجد مؤسسات منفردة وأقساما علمية أو مجاميع صغيرة من الباحثين لهم دورهم في الإبداع في الجامعات ، وفي بعض الحالات كانت هناك مؤسسات مستقلة . ومعظم هذه المؤسسات وردت في قائمة المصادر . وبعضها سيكون مثالا نبحث فيه .
فمعهد باستور في باريس استحدث أواخر 1800 من قبل لويس باستور ، وقد تطور لاحقا ليكون مختبرا " لعباقرة الباحثين في العلوم " و موطنا لعدد لا يحصى من الاكتشافات العلمية . وقد اصبح هذا المعهد قبلة للباحثين في المايكرو بيولوجي ، والكيمياء الحيوية
و الاختبارات الطبية . والنقطة الحقيقية العليا في الإبداع لهذا المعهد كانت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة .
وبعد الحرب العالمية الأولى تخصص معهد بالفيزياء النظرية ، وكان مركزا لنشاط الباحث Niels Bohr الذي منح جائزة نوبل في الفيزياء . وخلال عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي جذب هذا المعهد معظم الفيزيائيين المتميزين في أوربا ، وكذلك الكيميائيين
و علماء الأحياء . وخلال عقد السبعينات من القرن الماضي كان معهد باسيل المتخصص بعلم المناعة ، كان نقطة تجمع للباحثين في مجال بايومدسن . ومنذ ان وجدت جائزة العلوم الاقتصادية كذكرى لالفريد نوبل فان حوالي نصف الباحثين الذين استلموا هذه الجائزة قد امضوا جزءا من حياتهم المهنية في قسم الاقتصاد في جامعة شيكاغو . وعند توجيه أسئلة إلى الباحثين فانهم في الغالب قادرين على تحديد البيئات التي يعتقدون بأنها بارزة في تحفيزهم و تطوير قدراتهم التخصصية . مع هذا ، فان الدراسات في العلوم الاجتماعية و أكاديمي الإنسانيات ، قد أوضحوا انه ليست المؤسسات بحد ذاتها كانت سببا ، بل أفرادا قلائل كان لهم دور أو نشاط في هذه الأماكن والبيئات .
وتختلف النتائج بعض الشيء بالنسبة للعلوم الطبيعية ، حيث تعتمد الأبحاث تجهيزات مكلفة ماديا جدا ، ولنأخذ على سبيل المثال المركز الأوربي CERN لفيزياء الذرة الذي يقع خارج جنيف ، و معهد Laue-Langvin في كرينوبل في فرنسا و مختبر Rutherford Appleton خارج اوكسفورد . وهناك العديد من هذه المعاهد المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية ، واليابان و أوربا ، وتتطلب استثمار بلايين اليورو ، وتستخدم دوريا من قبل آلاف الباحثين من مختلف أصقاع العالم .
والمؤرخ Rogers Hollingsworth من جامعة وسكونسن في الولايات المتحدة قد تخصص في دراسة الأشخاص الذين استلموا جائزة نوبل في علوم البايوميد منذ 1901 . وقد قابل حوالي مائة منهم . و اعتمد في دراسته المكتشفات الكبرى التي تمثل نقطة تغيير في هذه الموضوعات . وبعض نتائج دراسته تستحق التعرف عليها فعلا . فقد استخلص ان المؤسسات التي حققت الإبداع مرة ، فإنها نفسها تحققه مرة بعد أخرى ، وما هو مشترك فيها ، أنها صغيرة الحجم . فالحجم الصغير للمؤسسة يجعل أعضائها متقاربين ، وفي حالة تعاون مكثف . ويعتقد بان العديد من الجامعات الكبيرة جدا تكون اقل تبنيا للإبداع نتيجة ضعف الاتصالات المعنية بتطوير الأبحاث الحدودية . وأماكن العمل الهرمية التنظيم يمكن ان تكون منتجة للإبداع
و تحقق نشاطات ناجحة ، وبدون ان تكون نقطة تغيرات علمية كبيرة . فالإبداع يزدهر في المؤسسات الصغيرة المتناغمة العلاقات .
3 - لماذا المدن الكبيرة ؟
تعد البيئة الجغرافية وعاء تتم فيه العملية الإبداعية ، فان المدن الكثيفة السكان هي السائدة في هذا المجال . وليس هذا صحيح تاريخيا فحسب ، ولكن وللوقت الراهن أيضا . ففي الغالب ، تقع مراكز التجديد للعلوم المختلفة في أو قرب المناطق الحضرية الرئيسة ، مثل : لندن و باريس و برلين و ميلان و نيويورك و لوس انجلس و سان فرانسيسكو . ويوثق بيتر هال ذلك، فبطريقة مقنعة يعرض بيتر كيف يعكس تاريخ المدن التنميات الحضارية للعالم الغربي . ومعظم إيجابيات المدن الكبرى تستمد من كونها مراكز اقتصادية وفيها السلطة و الاتصالات ، ودورها واضح في مزج الحضارات واختلاطها مع بعضها البعض .
فالمدن الكبرى فيها القيادات الإدارية و الوظائف التنظيمية ضمن الأعمال و المال والأبحاث ، ومنظمات ذات اهتمامات خاصة و الإدارة العامة . وفي المدن تتواجد المؤسسات بكثافة تفوق الأماكن الأخرى ، وفيها تتنوع الخدمات و تتباين ، وفي العديد من الحالات تتوافر فيها شبكة غنية من المعروض الحضاري . وعندما يكون سوق هذه الأشياء كبيرا ، حينها تتوافر دور النشر الكبرى ، وتقدم التسهيلات الفنية و تفتح الأروقة الفنية و المعارض . فبالنسبة للأعمال الفنية ، تتوافر فيها فرصا عديدة للعمل . وفيها أيضا المتخصصون الذين يصعب الحصول عليهم في المناطق الأقل سكانا . لذلك ، فان المراكز السكانية الكبيرة تلعب دور أقاليم "الصعود و الرقي" بالنسبة إلى الفنانين و ذوي المؤهل التعليمي العالي ، حيث يمكن ان يبدأ الشخص حياته المهنية من مستوى متقدم نسبيا .
ومن الإيجابيات الجغرافية المعروفة للمدن ، إنها توفر أنواعا عديدة من التجاور المتصل ، ففيها تتجاور الأماكن و يتساوى الناس في الكثافات العالية و المحلات السكنية . وتوفر المدن قربا بصيغة شبكات مع المدن الأخرى . وبمساعدة نظم الاتصالات و تقنيات النقل الحديث فان سهولة وصول الناس و المباني والمؤسسات لبعضها قد اصبح ممكنا وكأنها متجاورة مكانيا. بالإضافة إلى ذلك ، فان وسائل الإعلام تذيع معلوماتها من عدد قليل من المدن . فالمدن قد أصبحت نقاط مركزية لتدفقات السلع بين القارات وعلى مستوى العالم و كذلك الناس
و المعلومات و رأس المال . ومع هذا ، ليست المدن أماكن لتبادل السلع والخدمات و محاولات التعاون و اللقاء بين الناس فقط . وهي ليست مكانا لمجتمع معين ، بل هي مكان للتغرب (من الغربة) . فعدد هائل من المهاجرين يتجهون إلى المدن ، لقد أصبحت المدينة مصهرا حضاريا يذيب مختلف الحضارات و الأديان و طرز الحياة و الأفكار السياسية التي تتعارض مع بعض . ولهذا السبب فان المدن هي مراكز للتغيير . فمعظم الثورات اندلعت من المدن ، وفي الغالب ترى النور في المدن الأزياء الجديدة و الطرز الجديدة و التقنية الجديدة . وفيها تظهر وسائل جديدة للإدارة الاقتصادية وطرق جديدة لتنظيم العمل و تختبر طرز حياة جديدة ، سواء للخير أم لا .
و الطرف (النكات) تنتشر من المدن ، بما فيها تلك التي تطورت في أماكن أخرى .
في مقدمة هذا المقال ، عرض لريتشارد فلوريدا مفهوما واسعا للإبداع ، حيث أشار إلى ان المهن التي تتطلب ذكاء و تأهيلا علميا جيدا في الولايات المتحدة الأمريكية تعود إلى فئة المبدعين ، التي تشكل 30% من القوة العاملة فيها . وطبقا إلى فلوريدا ، تسهم ثلاثة عوامل لجعل المدن الكبيرة مراكزا للإبداع : التقنية ، الموهبة ، والتحمل . وقد قاس فلوريدا التقنية استنادا على عدد براءات الاختراع المسجلة والى أي مستوى تعود الصناعة في المدينة . وقاس تركز المواهب كنسبة من قوة العمل التي أنجزت من قبل الفئة المبدعة . و الانفتاح والتحمل قيسا بنسبة المهاجرين للمدينة من سكانها ، ونسبة الشذوذ الجنسي "gay index" قياسا إلى مجموع السكان.
ليس غريبا ان نجد خصائص مهمة لعملية الإبداع في التعدد والتنوع الموجود في المدن الكبيرة ، وبهذا الخليط من الناس و التدفق المزدحم من الأفكار . ومع هذا ، وبالعودة إلى التعريف الضيق للإبداع المشار إليه سابقا ، فان التاريخ و إلى يومنا الراهن يوضحان ان عددا قليلا من المدن الكبرى قد عرفت بهذه الخصائص . وفي هذه الحالة ، ليس الحجم وحده هو المهم .
ومن زمن إلى آخر ، فان المدن الصغيرة تكون بيئات مناسبة للتجديد . يضاف إلى ذلك ، فقد لوحظ انتقال الأشخاص بين الأماكن خلال فترة الإبداع من حياتهم . وبالنسبة للمؤلفين
و الفنانين فان هذا ليس استثناء ، بل هو القاعدة . وفي نقطة من الزمن ، فان القصيدة الريفية قد تصبح مركزا للإبداع . وفي الختام ، هناك سبب وجيه للنظر إلى المناطق الحضرية الكبرى كبيئات متنوعة متصلة ببعضها . ففي الواقع ، إنها كبيرة جدا و متنافرة داخليا . وفي مواجهة التكتلات الكبيرة في المدن من مبان ونشاطات و ناس ، فانه من المناسب النظر إلى المدينة بعمق و تفاصيل ، وتقصي المفاهيم البيئية التي قد تجلبنا قرب المواقع الحقيقية للنشاطات الإبداعية .
4 - الظروف الأساسية للإبداع
بغض النظر عن كون الإبداع في تطوير التقنيات أو في الأبحاث أو في مختلف أنواع النشاطات الفنية ، فان العملية الإبداعية تفرض طلبا خاصا على ما يحيط بها من بيئة . وجميع البيئات سواء أكانت جغرافية أم مؤسسية أو شبكات فلها إيجابياتها كما لها معوقاتها للإبداع . ومن السمات العامة و المميزة لمختلف هذه البيئات ، التي من اهتمامات هذا المقال :-
أ - كفاءة المعرفة وتقاليدها
النظرة الإجمالية لمختلف البيئات الإبداعية تشير إلى وجود خصائص في البيئة العمرانية تسهل عملية التجديد . فقد توفر هذه البيئات أماكن الاجتماعات و فرص الاتصالات . والأكثر أهمية إنها قد تجذب النخبة الذكية ، التي تضفي طلبات خاصة على الجيرة . وفي الوقت نفسه ، فإنها تركز على ان هؤلاء الأفراد الذين اصبحوا جزء من المبنى أو من بيئة المؤسسة أو العائدين إلى شبكة علاقات معينة فهم في الحقيقة من المتطلبات المسبقة لعملية الإبداع .
وفي جميع بيئات الإبداع ، هناك أشخاص لديهم الكفاءة . وفي الكتابات المعنية بمثل هذه البيئات ، تتوفر قوائم بأسماء أشخاص مؤثرين . ففي حالة فلورنسا و فينا و مانشستر ولندن
و باريس وسانت بتسبرك ، فانه من المميز ان الكفاءات تمثل تلقائيا في العديد من ميادين التخصص المختلفة كليا . وفي الغالب تشمل الأدب ، والموسيقى ، والمعمار و الفن و مختلف فروع العلم و الطب و التقنيات و الفلسفة و الأفكار السياسية . وليس غريبا ان ينتقل المتخصصون من حلقة علمية إلى أخرى و يعبرون الخطوط الفاصلة بين مختلف الميادين المهنية والعلمية .
ومع بعض الاستثناءات ، فان الكفاءة تبنى على تقاليد معرفية و خبرة أصيلة . فالأوائل يعرفون حق المعرفة ما قد حققه السابقون لهم . فهم يرون أنفسهم كآخر حلقات في سلسلة طويلة من المعرفة والخبرة المتراكمة . و بمنظور تراجعي ، فان مختلف التقاليد المعرفية مرتبطة وبقوة بأماكن . فمثلا ، تقاليد الموسيقى مرتبطة بفينا ، و تقاليد الفن والمعمار مرتبطة بفلورنسا ، والكتابة والطباعة بباريس . ومع هذا ، فان التفحص الدقيق لهذه التقاليد يوحي بان شخصياتها الخبيرة قد جاءتها من أماكن أخرى . لذا فان بيئة الإبداع ، ترى كأمكن و مؤسسات تجذب الإنسان الذي يمتلك كفاءة خاصة من مختلف المناطق . وان التقاليد هي نتاج الخبرة في هذه الأماكن و المؤسسات التي كانت ذات سيادة في الجاذبية في فترة من الزمن .
ب - تراكم رأسمال و البيئة العمرانية
عبر التاريخ فان الفائض الاقتصادي قد انتج إمكانات لجذب و تعزيز الكفاءات . وهذا صحيح في أثينا القديمة و الحضارة الهلسينية و حول البحر المتوسط . وخلال العصور الوسطى والنهضة الأوربية فان الكنيسة الكاثوليكية و قصور الأمراء كانت قادرة على جذب المعماريين
و الفنانين و المتعلمين . وما هو المركز الحضاري الذي تكونه فلورنسا بدون مصارفها ، وتجارة صناعة النسيج و الأسر الغنية مثل ميديشي و بيتي ؟ وقبيل الحرب العالمية الأولى كانت فينا عاصمة ومركزا اقتصاديا لإمبراطورية كبيرة متعددة الحضارات ، وتعمل كنقطة مركزية تؤدي إليها كل الطرق . وكانت لندن مركزا للسلطة و الثروة في إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس .
و بالسياق نفسه ، وبعد توحيد ألمانيا في عام 1871 أصبحت برلين وبسرعة سلطة العالم السياسية والاقتصادية في القارة ، و باريس و لأسباب معقولة دعيت بمركز الحضارة و الذكاء في أوربا . وبظهور مدن نيويورك وسان فرانسيسكو ولوس انجلس كتشكيلات للإبداع فان مركز العالم الاقتصادي قد تحرك مكانيا ، معلنا عن تغير في ظروف الجغرافية السياسية .
ان نسبا كبيرة من ارثنا المعرفي محفوظ في الكتب و المرئيات (المصورات) وفي وثائق المتاحف و المكتبات ، وكذلك في معمار المدن . فالبيئة العمرانية ما زالت مصدرا تاريخيا مهما . فمباني مدننا شاهد على سلطة الماضي و ثروته ، و التراث المعماري و المباني الجديدة والمتداعية تعرض التغيرات في الحالة الاقتصادية والسياسية و التقنية .
والبيئة العمرانية قد تأخذ أهمية خلال عملية التجديد . ففي دراسات تخطيط المدن ، هناك إشارات إلى ان بيئات معينة تعزز الإبداع اكثر من غيرها . فمثلا ، فان المدن الكثيفة السكان في القرون الوسطى و عصر النهضة ، بشوارعها و ساحاتها المزدحمة بحياتها الفلكلورية لعلها كانت الأكثر بيئة تحفيزية من المدن الحديثة التي بنيت لتستوعب حركة السيارات . فحتى معمار مباني المدينة ، وكذلك الديكورات الداخلية و الألوان يعتقد بان لها أهمية خاصة في الإبداع . فعالم الاجتماع الأمريكي Ray Oldenburg استخدم مفهوم "المكان الثالث" للإشارة إلى أماكن في بيئة المدينة تعزز اللقاءات غير النسقية . فالبيت واحد من الأماكن ، ومكان العمل هو الثاني . والمكان الثالث قد يكون مقهى أو مطعم أو غيرها من الأماكن العامة المحلية والتي لا تبعد كثيرا عن مكان السكن أو مكان العمل . وفي تخطيط المدن الحديث و المعمار فان المسافة بين مختلف الوظائف تزداد لدرجة أن إمكانات الحياة الاجتماعية خارج جدران المنزل أو مكان العمل قد اختفت جزئيا . واليوم هناك طروحات للعودة إلى المدن التقليدية الكثيفة و التي فيها مماشي ضمن الجيرات ، و التي تتبنى خلط النشاطات والمجاميع المختلفة مع بعضها البعض .
وأهمية أماكن اللقاءات في البيئة العمرانية ستختبر في أدناه . وفي مجال هذا التقديم ، سوف لا نتفحص كيف ان البيئة العمرانية تؤثر على الطاقة الإبداعية لشخص واحد . فالأمر معقد جدا و لا يمكن معالجته في مقال قصير ، فهو يستوجب دراسات شاملة للمصادر الأدبية
و الدراسات الاختبارية . وطبيعي يتمتع الناس و يمارسون وظائفهم في بيئات معينة اكثر من غيرها ، ومع هذا ، لا يمكن القول بان البيئات المحفزة هي التي تزيد الإبداع . يضاف إلى ذلك ، وبمواجهة الخلفية البيئية لمختلف الخبرات و الذاكرات و الأفضليات فان الاختلافات الشخصية بين الأفراد يمكن ان يكون عاملا جوهريا .
ج - الاتصالات
التكتلات الجغرافية هي واحدة من ابرز المظاهر في الجغرافيا الاقتصادية في الألفية الجديدة . ونتيجة للتقسيم التخصصي العالي في قوة العمل في البحث وفي التنمية فقد تولدت حاجة متزايدة للتعاون بين الأطراف المختلفة . وفي هذه الأجواء تلعب العلاقات الشخصية دورا متميزا في العصر الراهن .
" ويمكن القول بان الانترنيت سيقدم الشيء نفسه - قوى تتجه نحو التجزئة ، ولكن توازنها قوة تميل إلى التجميع . وبشكل متزايد يعتمد الاقتصاد على تحويل رسائل معقدة غير قابلة للترميز تتطلب استيعابا وثقة في كونها نتجت تاريخيا عن اتصالات مباشرة (وجها لوجه) . ولا يبدو ان هذا متأثرا بشبكة الانترنيت التي سمحت بالاتصالات من مسافات بعيدة و الحوار المباشر وكأنه وجها لوجه " .
شكل (1)












والمعلومات المنظمة التركيب و الإجراءات قد يكون تحويلها سريعا و بفاعلية باعتماد وسائل الاتصالات وتجهيزاته من هاتف و فاكس و شبكة الحاسبات . وهذا النوع من تحويل المعلومات اصبح الآن من متطلبات نظم الإدارة و تنظيم العمل . وهذا النوع من المعلومات يستخدم في إصدار البطاقات ، وتدقيق خطوط الطيران و في النظم المصرفية حيث تكون الأعمال تلقائية بين الحاسبات ، سواء أكانت في المبنى نفسه أو في أماكن مختلفة . وهذا النوع من المعلومات يسيطر على العمليات الصناعية ، و يسمح للسلطات المختلفة بإدارة وحداتها المنتشرة جغرافيا . وتتدفق المعلومات في الغالب باتجاه واحد و عبر قنوات نسقية محددة ، وحالة اللاضمان محدودة جدا .
إن التجهيزات التقنية غير قادرة على مواجهة الحاجة لمعالجة مسائل تتعلق بحالة اللاضمان و عدم القدرة على التوقع و المفاجئات . وهناك معلومات مصاحبة للمفاوضات
و التوجهات و البحث والتقصي . وكذلك توجد معلومات عن تشكل عناصر أساسية في العمليات التي تقود إلى تكوين المعرفة و التجديد . وتوضح الأبحاث الرئيسة ان تبادل المعلومات و حلقية المعرفة تحدث بشكل عام نتيجة الاتصالات وجها لوجه و مجاميع المناقشات . وتوضح الأبحاث ان تقنية الاتصالات قد تستخدم لتحويل المعلومات بين شبكات اجتماعية موجودة أصلا حيثما تكون حالة اللاضمان محدودة . ومع هذا ، فانه لا يمكن الاستعاضة عن الاتصالات المباشرة بين الأفراد لأشخاص لا يعرفون بعضهم البعض ، وبين الشبكات عندما يكون هناك حال من اللاضمان . و "بشكل خاص " نرى أهمية الاتصالات الشخصية المباشرة في العمليات الإبداعية - بغض النظر عن ارتباطها بتطورات تقنية أو العلوم أو مختلف إشكال النشاطات الفنية .
الطريقة الفاعلة لتهدم البيئة الإبداعية هي في النظر إلى قنوات تبادل المعلومات . ففي البيئات الجغرافية و المؤسسية وفي الشبكات ، هناك حاجة لأماكن تحدث فيها الاجتماعات
وتوفر تسهيلات لعقد اجتماعات منظمة وغير منظمة . ومن الملاحظ ان أماكن الاجتماعات هذه تكون في الغالب خارج المؤسسات النسقية و المنظمات ، في مجالات لا يكون فيها التنافس المهني والتجاري قادرا على غلق التبادل الحر للمعلومات . وفي البيئات القديمة و العصور الوسطى و عصر النهضة الأوربية فان الساحات العامة و المنتديات و الميادين تعمل كأماكن عامة لعقد الاجتماعات ، إضافة إلى الغرف العامة ، وفي مراكز المدن المزدحمة ، حيث يتجول الناس مشيا على الأقدام . وفي مناطق البحر المتوسط فان المناخ يساعد على اللقاءات خارج جدران المباني ، و باتجاه الشمال ، في فينا و باريس توجد المقاهي . وفي حالات متأخرة ، لعبت المكتبات دورا متميزا كأماكن لعقد الاجتماعات ، وكذلك مكاتب البريد بالنسبة إلى الفنانين ، إضافة إلى البوهيمين واللاجئين السياسيين . وفي مانشستر لعبت غرف التجارة و اتحادات العمال دورا في إدامة التسهيلات و تطوير القدرات و الإمكانات الذاتية . وفي وادي السيليكون كانت بعض الحانات مكانا لعقد الاجتماعات المهمة . وفي أجزاء أخرى من العالم ، كان للكنائس و دور العبادة و النوادي دور في توفر أماكن الاجتماعات . وفي العلوم فان المؤتمرات و الحلقات النقاشية و ورش العمل ، و الاجتماعات غير النسقية لها أهمية ستراتيجية في هذا المجال .
د - التعددية و التغاير و لا استقرار البنية
تلعب عوامل عديدة في بيئة الإبداع ، ولتحقيق شيء من التطابق بينها ، فان العديد من هذه العوامل يجب ان تمثل وتؤثر ببعضها البعض بطريقة متبادلة . وهذه التلقائية في التعامل و التبادل تضع طلبا كبيرا على البيئة . فبيئة الإبداع هي في الغالب متنوعة الحضارات ، غنية في كفاءتها الأصلية ، وتقدم إمكانات للاتصالات الداخلية و الخارجية .
ويبدو ان التعددية و التنوع يعززان العمليات الإبداعية ، في حين فان التوحيد uniformity و المعيارية و التشابه لا تؤدي إلى الإبداع . فالعديد من الأمثلة الواردة في الأدبيات تعطي انطباعا بان بيئة الإبداع هي في الغالب فوضوية chaotic . الملاحظة المهمة ان العمليات الإبداعية والتجديد الشامل يبدأن حيثما تكون الكفاءة و الاتصالات المتينة متطابقة مع حالة اللااستقرار و الغموض . وهناك الكثير الذي يشير إلى ان كل عملية إبداع سواء أكانت تعنى بالابتكارات التقنية ، أو الأبحاث قاطعة حافات العلوم ، أو فن جديد ، فإنها تتضمن منفعة نظامية لما يعرف ب "لا استقرارية البنية" .
وهناك سببا وجيها للتحذير من الفهم السهل و الصريح للعلاقة بين الفوضى و الإبداع . وبالإشارة إلى الكيميائيين Prigogine و Burton الذين يديمون فكرة ان الحياة و الأدب ينهضان عند نقاط القطع بين التنظيم والفوضى ، وبين التنظيم و الفرصة chance ، فالتراتب الكامل يموت عن طريق التبلور ، والفوضى الكاملة تموت بصيغتها الخالية . ومع هذا ، وفي مكان ما بين الاثنين هناك لقاء سحري للنظرة الشاملة و المفاجئة ، التي يبنى الإبداع عليه ، ومن ضمنها توجد جميع الإمكانات .
ومن المحتمل ان حالة اللااستقرار البنيوية هي التي دفعت المبدعين للانفصال عن الأنماط التقليدية في التفكير و القواعد الصارمة المحيطة بهم . ولعل هذا واحد من الأسباب التي جعلت الفترات المستقرة و البيئات المخططة نادرا ما تكون إبداعية بالمعنى العميق للكلمة . فعبر التاريخ ، فان العديد من الابتكارات والتغيرات الكبيرة قد حصلت ، سواء نحو الأحسن أم لا ، وبصلة بالحروب أو الثورات . فالتطور الاقتصادي للعالم الغربي خلال عقدي خمسينات وستينات القرن الماضي استند بدرجة كبيرة على عمليات إبداعية أطلق عنانها خلال الحرب العالمية الثانية . وقادت الثورة الفرنسية بشكل خاص ، وكذلك الثورة الروسية ، إلى تفكير جديد و تجديد في موضوعات صلتها محدودة بالأيديولوجيات و السياسة أو شكل الحكومة . وكانت فينا بين عامي 1880 و 1930 بيئة فوضى عانى منها الناس الكثير . وبعدها سقطت إمبراطورية هابسبيرك ، فوجدت النمسا نفسها في الجانب الخاسر في الحرب العالمية الأولى ، و تشكلت جمهورية . وأينما كان هناك نظام سياسي استبدادي وقيمه المحافظة الصارمة فإنها استبدلت بتجارب اجتماعية وسياسية واقتصادية و حضارية وحصرت الرغبات بالتجريب . فالسلطات القديمة قد اختفت و حلت مكانها مؤسسات ، واستبدلت بالتراكيب غير النسقية الراهنة . ومختلف الأفكار و الطرز قد تفتحت مرة واحدة . وعند النظر إلى هذه الفترة في فينا يمكن القول بأنها حياة بلقانية (البلقان) .
وأعطت مانشستر في أربعينات القرن التاسع عشر انطباعا عن الفوضى السائدة فيها ، فالمجتمع غير منظم لا عمرانيا ولا اجتماعيا . والمدينة كبيرة ولكنها تفتقد الشكل الدائم للحكومة . وهناك تنوع هائل في مؤسسات المدينة التعليمية . فبيئة مانشستر العقلية كانت في الغالب غير مخططة و في حالة تخريب وتغيير غير منظم . وقد أشير بطرق معينة إلى ان مانشستر أربعينات القرن التاسع عشر تشابه وادي السيليكون في خمسينات القرن العشرين . و قد وجدت في باريس بين الحربين العالميتين عناصر في المؤسسات فاقدة الشكل و متنافرة اجتماعيا ، وفي سانت بتسبرك وفي ازدهار منطقة لندن ، وفي نيو مكسيكو . وحتى في ساحات العلوم المخططة بشكل جيد و المراكز التقنية فقد برهن على ان من الصعوبة الذهاب إلى ما بعد مراحل التهيئة للعملية الإبداعية . وان العناصر التي يعتقد بالحاجة إليها ، فإنها موجودة مع بعض في أماكن صغيرة . وما حدث بعد ذلك ، صعب رؤيته و توثيقه . وبالنسبة إلى الإنسان الخارجي عن البيئة الإبداعية فان العملية برمتها تعطي انطباعا بأنها حالة توافق لا أكثر ولا أقل . وفي بعض الأحيان فان أشياء مهمة تحدث في بيئات أبدعها الإنسان ، ولكنها تفتقد تأثيرات معينة في مثل هذه الحالات . ولهذا فان النتائج ليست اكثر من تجميع أجزاء . وكل عملية منفصلة مكانيا فإنها يمكن ان تؤدي إلى هذه النتائج وبدون مراكز مصطنعة .
5 - لماذا يحدث الإبداع دوريا ؟
ان بيئة الإبداع ليست مستديمة ، فهي تأتى و تذهب . وحتى في زماننا الراهن فانه نادرا ما تكون ثابتة ، فالمؤسسات البحثية و الأماكن و الأقاليم تعد مهدا للتجديد لفترة قصيرة نسبيا . فروح الإبداع تزدهر لسنوات قليلة ، عقد أو عقدين من الزمان بالأكثر و بعدها تختفي فجأة كما ظهرت فجأة . و القفزات العلمية و التقدم الطبي و التقنيات الحديثة و التجديد الفني و الطرز العصرية تبرز في تكتلات زمنية ومكانية . وعلى المستوى التفصيلي الدقيق ، وان تفحص مؤسسة منفردة ، أو مكان أو إقليم يعرض ان اللااستقرار البنيوي ضروري لحدوث التجديد الشامل و على شكل دورات . وفي عملية التطوير هناك أوقات بديلة من الاستقرار و غيابه . فطور الاستقرار في الأدب يعني ان هناك توجها معينا قد اخذ مساره ، وعند تعريف الطراز فانه ما قد قبل من مجاميع كبيرة منوعة . وبالنسبة إلى الأبحاث فإنها تكون في فترات الاستقرار ذات طابع أساسي موحد النظرة . فالباحثون يبرهنون على تنظيراتهم ، واختبار فرضيات ضيقة ، ويطورون مناهجهم البحثية . ولم تختبر أسس نشاطاتهم هذه . والأبحاث المعيارية تنتج العدد الكبير من المطبوعات . وفي طور الاستقرار تكون الصناعة قد وصلت إلى مرحلة التوسع
و الإنتاجية بالطاقة الكاملة . ونادرا ما يتم تحسين المنتجات ، وتكون طرائق الإنتاج اكثر فاعلية . ونتيجة للطلب المتزايد فلا حاجة للتجديد الشامل .
ويتميز طور اللااستقرار بالركود و الغموض . فمختلف الأفكار و الطرز تتعارض مع بعضها ، ويكتشف الباحثون المزيد من الاستثناءات للمبادئ الأساسية . ويعاد تقييم الفهم
و السلطات ، و العلوم تغير أمثلتها ، و مختلف فروع الصناعة تسقط في أزمات . وفي بعض البيئات فان حالة اللااستقرار تقود إلى ركود ، ولكن و في لحظات سعيدة ، وفي بعض الأماكن المفضلة فان الغموض و التقصي قد يقودان إلى تقدم جديد والى حالة استقرار جديدة . وحينها يعمل الباحثون طبقا للمثال الجديد ، وتنتج الصناعات منتجات جديدة و تقنيات جديدة و أشكالا تنظيمية جديدة . والجامعات و المعامل بإمكانها إنضاج ثمار التفكير الجديد و التجديد الذي توصلوا إليه .
إذا قبلنا بهذا التعليل ، فان ذلك يعني ان الأسباب لكلا الركود و التجديد موجودة في الغالب في الطور السابق لعملية التطوير وليس حيثما اكتشف . والخبرة الموثقة في الأدبيات تعرض بوضوح ان الاستقرار و التوحد uniformity هما في الغالب ، ان لم يكن دائما ، يقودان إلى الركود . والنشاطات الفنية المتقدمة و الأبحاث تأتى في هذا السياق . فالمعامل الغنية تبقي نظرها على إنتاجيتها ، ولكن وبسهولة تتجاوز تطوير منتجات جديدة . وهذا المنظور يصور ما يحدث خلال طور اللااستقرار حيث بعض الشيء الإيجابي وللمدى الطويل ، وفي الوقت نفسه ، فان العملية تكون مؤلمة جدا لبعض المعنيين . ففي الأدبيات هناك أمثلة عن أناس قد عانوا الانحطاط في مثل هذه الفترات . وهناك أمثلة عن كيف ان التغير قاد إلى حدوث كارثة . ومع هذا فانه خلال طور اللااستقرار فان العديد من الكفاءات الأصيلة قد نالت فرصتها . وفي حالات غامضة وغير مستقره فان المؤهل للإبداع يمكن ان يأخذ المبادرة ويحصل على مجال للمناورة .
توضح الدراسات انه من الصعب جدا الشعور ببناء البيئة الإبداعية . وبالمقابل ، فانه من السهل تدمير مثل هذه البيئات من خلال الضوابط و السيطرات التي تفرض عليها . وبالمنظور التاريخي فان العديد من العمليات للتجديد الشامل قد جاءت معارضة لتوجهات المؤسسات و المنظمات . ويبدو من الصعب بشكل خاص الحصول على تعاطف مع الأفكار الجديدة ضمن المؤسسات الكبيرة . و عرضت دراسات مشاريع ناجحة للتغيير قد تحققت بعد ان اصبح التركيب النسقي للمنظمة متخلفا ، وفي بعض الحالات تم تغشيشها حتى من قبل مبدعيها ، حيث ذهبوا بعيدا عن حدود المنظمات و الموارد و التعزيزات التي جمعت المعلومات عنها . فقد بنوا تعاونا و شبكات خارج الهرمية النسقية .
6 – الانتقال من دراسة الحالة إلى العملية التي شكلتها
نواجه حاليا تساؤلا مفاده ان أهمية المكان وبيئة المؤسسة قد بنيا على افتراضات مبسطة جدا في العديد من المعطيات . فصلة الأفراد بالمكان يجب ان يتم تفحصها عن قرب اكثر . يضاف إلى ذلك ، فان التغيرات عبر الزمن يجب ان يركز عليها اكثر . والافتراض بان الإبداع لا يتطور في بيئة محددة ، وبوجه خاص في زماننا هذا . فالعملية الإبداعية ليست مرتهنة بمكان واحد أو مؤسسة معينة ، وقد يحدث ذلك ولكن فقط خلال لحظة أو فترة زمنية قصيرة جدا. وكذلك لسنا متأكدين بان الأشخاص المبدعين متأثرين بالبيئة التي سجلت فيها قدراتهم ، أو انهم كانوا نشطين في زمن معين . وعندما ننتقل من دراسة الظروف المصاحبة للإبداع إلى محاولة فهم العمليات الإبداعية فان الخارطة التقليدية لا تكون أداة ذات فاعلية حقا. وهذه الفكرة سيتم تطويرها بتفصيل كبير بمساعدة نظام الزمن الجغرافي و سيرة حياة الحائزين على جوائز نوبل .
أ - مع حاملي جائزة نوبل
قد ينظر إلى الحاصلين على جائزة نوبل كمادة مناسبة للدراسة و التقصي المعمقين لمعرفة ظروف الإبداع ومكانه . فهم مجموعة من الأشخاص المختارين من خلال عملية تقييم شاملة و دقيقة لمرشحين من مختلف العلوم و من مختلف أصقاع الأرض ، ويتم ذلك سنويا بترشيح آلاف من الباحثين المميزين و الشخصيات الحضارية . تدرس هذه الترشيحات لجنة ضمن الأكاديمية السويدية و الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم و معهد كارولنيسكا و لجنة نوبل النرويجية . يضاف إلى ذلك ، وبظهور المرشحين على المسرح تتوفر كمية هائلة من المعلومات الشاملة عنهم .
ومنذ عام 1901 تمنح جائزة نوبل في ميادين الفيزياء و الكيمياء و الطب (أو علم وظائف الأعضاء) ، وفي الأدب . وهناك جائزة نوبل للسلام ، و منذ عام 1969 استحدثت جائزة خاصة للاقتصاد على ذكرى الفريد نوبل . وجميعها ، وصل عددها اكثر من 700 جائزة . ولأن بعضها منح مشتركة لأفراد عدة ، وخاصة خلال السنوات الراهنة ، فان عدد الممنوحين يفوق عدد الجوائز نفسها .
و تكتب سيرة كل حائز على الجائزة ، بالتعاون معه ، وهذه طريقة سادت منذ بدء القرن العشرين ، أو هم يكتبوها بأنفسهم ، وهذه أصبحت شائعة منذ الحرب العالمية الثانية . ولسنوات عدة خلت ، فقد توفرت هذه السير الذاتية في متحف نوبل . والسير الذاتية هي مواد يصعب استخدامها ، خاصة في الدراسات التي تبحث في السمات العامة وليس الذاتية . وهي لم تكتب بصيغة معيارية ، بل ان الكتاب اختاروا الأحداث و الحالات التي يرغبون التركيز عليها عند النظر إلى تاريخهم الشخصي و حياتهم . ومع هذا ، فهناك شيء مشترك في معظم المذكرات . ومنها معلومات عن مرحلة الطفولة ، والشباب ، وسنوات الدراسة ، والتعليم العالي و المهنة ، إضافة إلى التغيرات في أماكن العمل و مصادر الطموح والإلهام و اللقاءات الشخصية . و من السير الموجودة عد منها 667 صالحا للاستعمال في دراسة شاملة .
ب - جغرافية الزمن Time-Geography
لقد بدأت فكرة جغرافية الزمن في قسم الجغرافيا الاجتماعية و الاقتصادية في جامعة لوند Lund في السويد خلال ستينات القرن الماضي . فقد اشترك تورستن هيكرستراند مع مجموعة من طلبة الدكتوراه في تقديم أداة نظرية جديدة في عدد من المقالات والكتب . والفكرة الأساس قد وضعها هيكرستراند أواسط أربعينات القرن الماضي ، وتدريجيا دمجها في أبحاث داخل السويد وخارجها . و بهذا فقد تطورت وجهة النظر وهيكلية العمل في جغرافية الزمن . وكما تشير التسمية فان جغرافية الزمن تصف العمليات في الزمن والمجال وبشكل تلقائي . والاختلاف العام في متابعة انتقال الأفراد بين نقاط موقع أو محطات (أماكن سكن أو عمل أو مدارس و غيرها) . ففي هذه المحطات لا تحدث حركة في المجال ، ولكن في الزمن فقط . وعلى هذا الأساس فان جغرافية الزمن تستخدم لوصف السلوك الواقعي . ولربما يكون الاهتمام منصبا اكثر على الإمكانات التي تفتحها لوصف هيكل العمل أو مجال الأفعال ضمن الميدان العمراني ، والبدائل الممكنة التي توفرها البيئة الجغرافية ، بوجود مختلف المعوقات . وفي هذا المنظور فان التحليل يأخذ 24 ساعة . ومع هذا ، فان إيقاعات الزمن قد تختار اعتمادا على العمليات و على مسار الأحداث المطلوب دراستها .
يجب ان لا ينظر إلى ما يقدم في هذا المقال كتطوير لجغرافية الزمن . وستستخدم أجزاء من نظامها المفاهيمي لغرض توضيح بعض الأفكار التي وردت في هذا المقال . ومن خلالها سيتم تفحص الافتراضات المتعلقة بالبيئات الهامة وأماكن عمليات الإبداع . وسيتم اخذ أمثلة تجريبية من المواد التي وفرتها سير حياة الحائزين على جائزة نوبل .
7 - مسار الحياة في الزمن والمجال
في الشكل رقم (2) ، يمثل المحور العمودي الزمن و يتكون من 100 سنة ، أو ، البديل حياة شخص أو جزء منها . ويوصف المجال ببعد واحد (المحور الأفقي) ولكنه طبيعيا يوصف كسطح ، خارطة العالم مثلا . وفي جغرافية الزمن يعرض مساران منفردان ، يشار إليهما هنا بمسارات الحياة ، وهي غير متقطعة لا في الزمن ولا في المكان ، ومن الولادة إلى الممات . المسار A يمثل حيات شخص أو حياتها في المكان نفسه ، مقارنة مثلا مع حياة الفيلسوف عمانوئيل حيث عاش حياته كلها في المكان نفسه ، ويقال انه لم يسافر ابعد من مدينة كونيكسبيرك التي تعرف اليوم بكالينينكراد . المسار B لشخص آخر تنقل مرات عدة خلال حياته أو حياتها ، فقد عاش فترة الطفولة في مكان ، و انتقل إلى مدرسة في مكان آخر . والجامعة التي درس فيها كانت في مكان ثالث ، أجرى بحثه في مكان رابع وكان المكان الخامس خارج بلده . ويأتي الآن السؤال المهم : في أية بيئة تطور الإبداع عند B ؟ في بيئة الدراسة ؟ في الجامعة ؟ أو في ما يحيط به من هيبة وشهرة عالمية ؟ أو قد يكون التنوع و تشكيلة البيئات المختلفة لها الأهمية العظمى ؟ ففي هذه الحالة ، يكون السؤال : هل ان الانتقال حفز أنماطا جديدة من التفكير عنده ؟ وهناك العديد من الأمثلة عن كيفية حدوث التجديد الشامل في مختلف التخصصات الأدبية الذي قد حدث خلال فترات الانتقال الجغرافي غير الاعتيادي . وقبل ان نستمر ، من الضروري الإشارة إلى عدد من النقاط . فالانتقال يتطلب زمنا ، لذا من حيث المبدأ ليس هناك خط أفقي حقيقي في مسار حياة الشخص . وبمنظور الأربع والعشرين ساعة يمكن رؤية ذلك بوضوح . وبمنظور الزمن في هذا المثال فان وقت الانتقال يمكن إهماله . يضاف إلى ذلك ، هناك تصفية للوقت في الرسم التوضيحي . ومعظم الباحثين الحائزين على جائزة نوبل قد قاموا برحلات قصيرة خلال حياتهم . فقد زاروا أماكن أخرى لأيام أو أسابيع . وإن عرض هذه الانتقال في الرسم التوضيحي ليس بذي معنى ، وغير مبرر . وفي التحليل اعتمد البقاء لمدة شهر على الأقل كأساس ، أو سنة أو أية فترة طويلة . ومع هذا فان هذا المعوق ليس بحاجة إلى تطبيقه على مختلف الدراسات للخروج بالأنماط التي ستعرض في أدناه .
شكل ر (2)














في الشكل رقم (3) جمعت مع بعض مجموعة من مسارات الحياة . ويعرض المخطط سبع محطات في الزمان والمكان حيث شكلت المسارات تكتلات أو حزم . وفي الشكل أحيطت هذه الحزم بشكل بيضوي . وفي هذه الأماكن كان حائزوا جائزة نوبل نشطين بشكل تلقائي . وفي الجزء الأدنى من الرسم قد نتخيل أربع مدارس بمستويات مختلفة ، وفي الوسط جامعتان ، وفي الأعلى جامعة مرموقة أو معهد أبحاث جمع باحثين من مختلف بقاع الأرض ليكونوا قريبا من ظروف و مصادر عمل جذابة . و يجب ان لا يكون مخطط جغرافية الزمن مزدحما و مملوء ب700 حائز على جائزة نوبل ، فهذا صعب ان لم يكن مستحيلا لتمييز الأنماط . وقد نتساءل عن معنى معاملة الحائزين على الجائزة الذين تتنوع تخصصاتهم ، وعن إمكانية المقارنة بينهم . لذا ، ولأغراض هذه الدراسة فقد اختيرت مجموعة واحدة . واكبر رسم يغطي مسارات حياة المبدعين معروض في متحف نوبل في المبنى القديم في ستوكهولم . وقد أخذت شكلا يشبه حوض مائي في قعره توجد خارطة العالم . ومن نقاط على هذه الخارطة مدت خيوط ذهبية بشكل منحنيات باتجاه سطح الحوض . وكل خيط يمثل أحد الحائزين على الجائزة لاختصاص معين . و تقديمنا هذا سيقتصر على عدد قليل من الأمثلة ، المشتقة من ملاحظات جمعت من مواد كثيرة جدا . وبطريقة مميزة ، فان عددا من المسارات قادر على عكس بعض الأحداث الدرامية التي حصلت في القرن العشرين .
أ - سيادة الولايات المتحدة
للبدء ، من الضروري الإشارة إلى ان عددا كبيرا من جوائز نوبل قد منحت إلى علماء يقطنون في الولايات المتحدة ، حوالي الثلث ، و عدد قليل في بريطانيا وألمانيا و فرنسا ، على التوالي . وجاءت سيادة الولايات المتحدة في ما بعد الحرب العالمية الثانية . ففي أي بيئات بحثية تميز هؤلاء المبدعين ؟ فالجامعات الأمريكية نال مبدعوها العديد من الجوائز بما فيها جامعة هارفرد (27) ، جامعة شيكاغو (14) و معهد كاليفورنيا للتقنيات (13) و معهد ماسوشيست التقني (13) وجامعة ستانفورد (12) وجامعة كاليفورنيا (12) وجامعة برنستن (9) . ومن الجامعات الأوربية بعدد مكافئ من الجوائز جاءت جامعة كمبرج (20) ، معهد ماكس بلانك في ميونخ (18) و جامعة لندن (17) و جامعة اوكسفورد (9) . وبالإشارة إلى الشكل رقم (3) فانه يمكن القول بان توزيع بيئات البحث كان جزئيا نتيجة منح الجائزة بشكل كبير إلى علماء . وان هناك فاصلا زمنيا يصل إلى عقود عدة بين الكشف البحثي و منح الجائزة .
لنأخذ جامعة شيكاغو كمثال ، استلم 39 باحثا منها جائزة بنك السويد في الاقتصاد حتى أواسط تسعينات القرن الماضي ، 16 منهم عمل في الجامعة لفترة زمنية قصيرة ، أو طويلة . العديد منهم انتقل إليها بعد ان نشط في بيئة بحثية أخرى ، وبشكل رئيس في أوربا . وتشابها في التركيز في المجال و الزمن يمكن ان نجده في التخصصات الأخرى . وجامعة برنستن و معهد الدراسات المتقدمة سيكونان مثالنا الثاني . فالشكل رقم (4) يعرض جزء من مسار حياة خمس حائزين مشهورين ، المشترك بينهم انهم ذهبوا إلى نيوجرسي حيث تقع الجامعة و المعهد . واحد منهم من الولايات المتحدة والآخر من الصين . وهذه المناقشة مستمرة مع التركيز على البرت انشتاين القادم من زيورخ و ايوجين وكنر من بودابست و نيلز بوهر من كوبنهاكن . وكما يعرض الشكل رقم (4) فان انشتاين و وكنر قد تركا أوربا خلال ثلاثينيات القرن الماضي ، بعد ان عملا في برلين بعض الوقت . بوهر ترك الدانمرك في أوائل عقد الأربعينات من القرن الماضي وبقي في برنكتون لوقت قصير قبل عودته إلى كوبنهاكن . و أخيرا فان بوهر سيصبح في هذه الدراسة مثالا لدراسة فردية لمعرفة العديد من الاتصالات الشخصية التي قام بها .

شكل (3)
















شكل (4)

















ب - في ظلال الحرب
حوالي 400000 شخص اجبروا (أو اختاروا) ترك ألمانيا والأراضي التي احتلت خلال عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي . ومن المحكومين بالإبعاد آلاف العلماء
و صناع السينما و الممثلون و المؤلفون والكتاب والعديد من اليهود . و قد نضبت أواسط أوربا من العقول ، فأصبحت الكفاءات متركزة في مواقع متعددة في الولايات المتحدة مساهمين وبشكل مميز بالتطويرات التقنية والعلمية والحضارية لما بعد الحرب هناك .
يحتوي تاريخ العالم العديد من الحالات المشابهة ، ولكنها اقل شمولية من الحرب
ومن الثورات والأحداث الأخرى في الكيفية التي تتغير بها مسارات حياة الأفراد بشكل جذري. فالثورة الفرنسية و حروب نابليون قادت الأرستقراطيين إلى المنفى . وخلال الثورة الروسية والحرب الأهلية التي تبعتها ، انتقل آلاف الروس إلى باريس . وكان سقوط إمبراطورية هابسبيرك خلال الحرب العالمية الأولى قد قاد العديد من العقول إلى الانتقال من موطنهم إلى فينا و برلين . وكان للغة المشتركة دور في تسهيل عملية الانتقال . وهذا صحيح أيضا في حالة الروس الذين انتقلوا إلى باريس طالما ان عددا من أعضاء الطبقة الروسية العليا يتحدثون الفرنسية .
8 - بعض الملاحظات من السير الذاتية
أ - المسكن والمدرسة
ان تأثر الحائزين على جائزة نوبل ببيئة السكن أمر تم التحقق منه ، ومن الأشياء الأخرى التي أثرت فيهم ، مهن ذويهم . فأبناء العلماء لهم حضورهم ، كذلك أبناء الأطباء و المهندسين
و المدرسين و رجال الدين . ونسبة غير متكافئة من حائزي الجائزة من خلفيات يهودية ، اكثر من 20% ، ويعني هذا 30 مرة ضعف العدد المتوقع في التوزيع العشوائي . ولعل هناك أسبابا وراء هذا . ومن الأسباب البارزة في مختلف السير المدروسة ، البيئة المنزلية و وجود صلات أسرية متينة . فأهمية الأمهات اليهوديات لا يمكن إغفاله . يضاف إلى ذلك ، هناك ضغط من العالم المحيط بهم ، وشيء ما يمكن عده الشعور بالآخرين والانكشاف أمامهم . وقد استخدم مفهوم اللااستقرار البنيوي في هذا المقال ، و الاقتباس الآتي مأخوذ من سيرة ذاتية كتبت من قبل حائز على جائزة نوبل عام 1961 في علم الأعضاء ، المجري جورج بيكيسي :
" إذا سافر مجري خارج المجر فانه يميز على أساس لكنته في الكلام، والتي لا يمكن التخلص منها بعد عمر معين ، والسؤال الذي يطرح في جميع الأحوال : كيف يمكن لبلد صغير مثل المجر ان يعطي العالم العديد من العلماء المعروفين عالميا ؟ وبعض المجريين حاول الإجابة عن هذا السؤال . ففي ما يتعلق بي ، فاني لا أجد الجواب ، ولكني أود الإشارة إلى شيء . عندما عشت في سويسرا كان الجميع مسالمون ، وهدوء و أمان فلم تكن لدينا مشاكل تتعلق بكسب المعيشة . في المجر ، الحياة تختلف ، فقد كنا جميعا في صراع حول معظم الأشياء التي نطلبها ، رغم هذا فان هذا الصراع لم يكن يسبب الجحيم لأي شخص . وفي بعض الأحيان نفوز بما نتصارع عليه ، وفي أحيان أخرى لا ، ولكننا جميعا باقون . فلم يجلب الصراع نهاية لاحد ، ليس لي على الأقل . فالناس بحاجة إلى مثل هذا التحدي ، وهذا موجود عبر تاريخ المجر . "
وبالنسبة للعديد من العلماء المميزين كان للمدرسة أهمية خاصة في حياتهم . فهم يتحدثون بحرارة عن كفاءة مدرسيهم الذين أيقظوا الاهتمامات فيهم وأثروا على تركيزهم في دراستهم اللاحقة . وكانوا يتحدثون عن المدارس بتخصص معين و طلب محدد ، لذا تحدوا قدرات الطلبة الآخرين بما فيهم الممنوحين هدايا و جوائز في تلك المدارس . وهنا أيضا يوجد مثال جيد من المجر، و كذلك من ألمانيا و فرنسا وبريطانيا .
أكثر من عشرين من اشهر العلماء في القرن العشرين ولدوا في المجر ، ودرسوا في جمنزيوم (ثانوية ) بودابست ، ومعظمهم اكمل دراسته الجامعية في بلدان أوربا الأخرى ، واكملوا حياتهم المهنية عبر الأطلنطي . أربع منهم نالوا جائزة نوبل في الفيزياء ، و واحد في الكيمياء و آخر في الطب . وهناك اعتبارات بحثية عليا في مواضيع أخرى منحت فيها جوائز نوبل . مثل ، عالم الرياضيات جون فون نيومان ، كابريل سزيكو و بول ايردوس . يضاف إلى ذلك ، هناك كتاب مميزون و أدباء يستحقون الذكر .
بدأ يوجين وكنر (ينظر شكل رقم 4) حديثة في حفل توزيع الجوائز عام 1963 في ستوكهولم بالكلمات الآتية :
" احب القول في هذه المناسبة بعض الكلمات عن موضوع لم أكن أفكر به إلا قليلا عندما كنت يافعا ، ولكن قدرناه حق قدره عندما كبرنا . اعني إننا مدينون إلى مدرسينا" .
وفي نهاية خطابه قال :
"ليس لنا مدرسون اكبر منا فقط ، ولكنا قد تعلمنا من أقراننا الكفوئين و زملائنا أيضا . والشكل المعاصر الذي تعلمنا منه الكثير هو فون نيومان وكان ذلك في الرياضيات اكثر من غيرها" .
والنقاط الآتية أخذت من ما كتبه وكنر في سيرته الذاتية :
"في عام 1915 دخلت افضل ثانوية في بودابست ، ولعلها في نظري افضل واحدة في العالم ".
وبعض الكلمات قالها الفيزيائي والرياضي إدوارد تيلر تضاف هنا . ولد تيلر في المجر عام 1908 ، والمحطة في مسيرة حياته كانت مشتركة مع العديد من جيله (ثانوية مينتا في بودابست و جامعة ألمانية و أخيرا بعض الجامعات الأمريكية) .
وسواء أكان النظام التعليمي أو اشتراك في حالات معينة خلال السنوات الصعبة هذه في المجر ، فالموهوبون من جمنزيوم بودابست يوحون بأنه يشكل ميدانا مذهلا للتخمين والتأمل . فان العدد الكبير من العباقرة الذين تكونوا في قاعات الدرس المتعبة ، ومعظمهم من اليهود ، والعديد منهم أخذ طريقه إلى الولايات المتحدة حيث ساهموا في تقدم العلم فيها وخاصة في فيزياء الذرة و إطلاق الطاقة الذرية ، قد جاءوا من هناك .
والملاحظات الآتية عن سيرة واحد من اعظم رياضيي القرن العشرين تحدث بلغته الخاصة قائلا :
" لقد مر جون فون نيومان عبر السنوات الأولى في القرن العشرين بنظام تعليمي مجري ، ولعله من الأكثر عبقرية في العالم وانتهى بظهور اليابان كمقلد له بعد 1945 . ان ازدهار بودابست عام 1903 التي ولد فيها جوني ، كانت على أعتاب إنتاج الجيل الأكثر تألقا في العلوم والكتابة و الفن
و الموسيقى و أصحاب الملايين النافعين القادمين من بلد صغير ، من بعد دويلات المدن في النهضة الإيطالية ".
ونقطة أخرى من السيرة الذاتية نفسها ، نقرأ الآتي :
" يستعار اسم (جمنزيوم) من قبل معظم المتحدثين بالألمانية في أوربا ، و من قبل العديد من البلدان التي تنظر إلى ألمانيا كقائد تعليمي . وفرنسا سمت مدارسها (ليسيه) و بريطانيا دعتها (كرامر) . واليابانيون المعاصرون الأكثر تطرفا و نجاحا ، تبنوا نظام الجمنزيوم ، فقد سمت مدارسها (هاي سكول) وكأنها مفتوحة على المدارس الأمريكية ، التي لا يعودون إليها" .

ب - النظام العلمي للاتصالات
يشكل عالم العلم نظاما هائلا للاتصالات ، وهو الأساس في الإبداع . فالأبحاث و تطوير المعرفة يتطلبان انتشار الأفكار ، وكذلك تدوير المعلومات (جعلها حلقية الحركة) . وكما أشير آنفا في عملية الإبداع ، فان أجزاء من المعلومات تجمع لتشكل شيئا جديدا ، وبطرق عجيبة في الغالب . ومن خلال التعليم فان الأخبار تنتشر إلى الآخرين . و قد استخدمت شبكة العلماء
و مجتمعهم ليس لنشر الأفكار و وجهات النظر فحسب ، بل وللتحقق منها و نقدها و التعريف بها. ففي المؤتمرات و ورش العمل و الحلقات النقاشية يجمع الأفراد و الشبكات مع بعض . فالدراسات أوضحت كيف ان الكتب المطبوعة تنشر المعلومات وتجعل التحقق منها سهلا . وفي حالة العديد من المؤلفين ، من الحائزين على جائزة نوبل أو غيرهم من الشخصيات الحضارية ، كانت الرسائل مصدرا رائعا لرسم خارطة شبكة الاتصالات ، على الأقل ، إلى حد عصر البريد الإلكتروني الذي اصبح الوسيلة السائدة للمراسلات . وكمثال ، فان رسائل نيلز بوهر قد صنفت بشكل جيد في معهد كوبنهاكن الذي يحمل اسمه . فقد أوضحت بشكل جلي دوره المركزي في شبكة الفيزياء خلال سنوات الحرب . ومن الشكل (4) يتضح ان مسار حياته كان محاطا بعدد يتعذر تميزه من فروع الشبكات التي تشكلت من سفرات قصيرة و رسائل .
و ترينا بعض السير الذاتية كيف ان نيلز بوهر سافر من ألمانيا بالقطار خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي . حيث كان يلتقي مع زملاءه و تلامذته في المحطات عندما يعلمون بسفره . وقد تستمر المناقشات في القطار ، وحيثما يسمح الوقت و المجال . وخلال هذه السنوات التقى بوهر بالعديد من الفيزيائيين و الكيمائيين الذي ذهبوا إلى كوبنهاكن للقاءه ، وقضوا بعض الوقت مع البيئة التي تحيط به .
ويخبرنا مرنر هيسنبيرك ، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء ، عن قصة زميله ايرون سشرودنجر عندما كانت حالته خطرة . فالمحادثة بينهما بدأت في محطة قطار كوبنهاكن واستمرت بدون انقطاع حتى معهد بوهر ، وثم في المساء في منزل بوهر حيث أقام الضيف الألماني . وبعد أيام قليلة تداعت صحة الضيف ليصبح طريح الفراش بحمى مرتفعة . وقد رعته صحيا السيدة مار كريت بوهر في الوقت الذي استمر بوهر بالمناقشة حيثما أمكن ذلك .
وحالما زار البرت انشتاين كوبنهاكن ، وبوهر كعادته التقى به في محطة القطار . وبعدها زارا معهد بوهر ، وحالما استقرا فيه بدأت المناقشات المكثفة التي لم يتوقفا عنها . وبعد توقفات قليلة عادوا إلى النقاش في الحافلة (الترام) عند عودتهم . وبسبب النقاش الحاد فقد نسوا النزول في الموقف القريب من السكن ، وليست هذه هي المرة الوحيدة . وقد تكرر ذلك لمرات عديدة . واخيرا نجحا في التوقف عن النقاش عندما وصلا مبنى المعهد . و بعد ذلك ، وحتى 9 نيسان 1940 ، كانت كوبنهاكن ملجأ لعدد من زملاء بوهر . بعضهم استقر هناك ، وآخرون طلبوا المساعدة للسفر إلى بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية . وفي عام 1943 ترك بوهر نفسه الدانمرك وقضى بعض الوقت في السويد . وكان نشطا في جامعة برنكتن لبعض الوقت ثم عاد إلى كوبنهاكن حتى نهاية الحرب ، واخيرا انتهى به المطاف حيث بدأت حياته فيها .
9 - خلاصة واستنتاجات
مادة هذا المقال هي تفحص مختلف البيئات من اجل تحديد الظروف الخارجية الأساسية للإبداع (العلاقات في مختلف الأزمنة و مختلف البيئات المعززة أو تلك التي تخفي في طياتها عمليات الإبداع) . والبيئات التي عرضت كانت لمختلف العصور التاريخية و مختلف الأشكال . وقد وفرت هيكل عمل لعمليات الإبداع و التجديد في مختلف الميادين المنوعة مثل الأدب ، المعمار ، الفن ، الموسيقى ، الفلسفة ، التقنيات و العلوم . وعلى الرغم من الاختلافات بينها ، فان الأمثلة المنوعة أكدت وجود خصائص عامة مشتركة بينها .
فالأشخاص ذوي الخبرة المميزة و الطاقة الإبداعية هم المطلب الرئيس للابتكار
و التجديد الشامل . ومع بعض الاستثناءات ، فان الكفاءة مطلوبة للبناء من كم هائل من المعرفة التقليدية و الخبرة الكبيرة . ومع هذا فان مختلف أشكال الفن وميادين الأبحاث قد ارتبطت بأماكن معينة وبيئات مؤسساتية محددة ، والعديد من حملة هذه التقاليد غير مستقرين مكانيا .
لذا فان بيئة الإبداع يجب ان ينظر لها مبدأيا كأماكن و مجاميع جذبت الكفاءات ضمن تخصص علمي محدد . وتأسست هذه التقاليد ، جزئيا ، نتيجة جذب الأماكن و المؤسسات ذاتها لأشخاص معينين ولفترة زمنية طويلة . وفي حالات محددة ، فقد احتاجت قوة الجذب هذه حوافز و دفعا من أشخاص من خارج الميدان التخصصي ، وكذلك المفكرين . وفي حالات أخرى ، فان قوة الجذب قد تأثرت بالبيئة حيث الفائض الاقتصادي و ظروف العمل الحازمة . وفي الأماكن حيث تتوافق هذه الشؤون فان الجذب يكون قويا بشكل خاص .
الاتصالات الحميمة بين الأفراد و مجتمعات الكفاءات خاصية مميزة لجميع البيئات ، حيث تعمل على تبني التجديد و عمليات الإبداع . وهذا صحيح في البيئة الجغرافية ، وكذلك في البيئات المؤسسية . وبطبيعتها فان العمليات الإبداعية تضم عناصر مميزة من حالة اللااستقرار ، و اللاتوقع و المفاجئة . ولهذا السبب ، فان المناقشات و اللقاءات ذات أهمية ستراتيجية . وعبر التاريخ ، فان بيئة الإبداع قد احتوت أماكن سهلت الاجتماعات واللقاءات . ففي البيئات التي يكون فيها تبادل المعلومات الحر مقيدا ، فان الإبداع يتناقص .
ان التعدد و التنوع يعززان العمليات الإبداعية ، بينما التشابه و التوحيد النسقي
و التجانس لا يعملان ذلك . والعديد من الأمثلة الموثقة قد أعطت انطباعا خاصا بان بيئة الإبداع في بعض الأوقات كانت عبارة عن فوضى . والملاحظة الهامة التي أخذت عن العملية الإبداعية و التجديد الشامل بأنهما يبدءان حيثما تتطابق الكفاءة المميزة و صلات حميمة مع حالة اللااستقرار و اللاضمان . وهناك الكثير عن تضمين كل عملية إبداعية ، وسواء أكانت معنية بالابتكار التقني أو تغيير جذري في البحث أو فن جديد ، تضمينها لما يمكن تسميته باللااستقرار البنيوي . و هذا اللااستقرار البنيوي يسهل عملية خروج الأفكار عن النمط الموجود
و الضوابط الصارمة المحيطة بها .
تفحصت هذه المقالة الانتقال الجغرافي و سفر الأشخاص المبدعين ، في الوقت الذي تساءلت عن البيئات الشخصية المميزة كحاوية للعملية الإبداعية . والبيئة التي عرفت بها إمكانات الشخص ليست بالضرورة ذاتها التي قدمت الظروف المفضلة للتجديد الشامل . يضاف إلى ذلك ، ركزت المقالة على تفحص الانتقال بين مختلف البيئات و مدى أثرها على الأفراد المبدعين وتطوير مسار حياتهم .
ومن اجل الإجابة عن هذه التساؤلات و الحصول على فهم عميق للعمليات الإبداعية ، فقد أعطى اهتمام خاص لبعض الأشخاص المبدعين المعروفين جيدا و مسارات حياتهم . وقد اختيروا من بين مئات الأشخاص الذين نالوا جائزة نوبل في مختلف العلوم و عبر المائة سنة الماضية . وركزت الخاتمة على أسس الخروج عن المألوف في البحث كمثال لنشاط إبداعي . وهناك ملاحظات عديدة جمعت من سير حياة المبدعين التي استندت الدراسة عليها .
الظاهرة المميزة في مختلف السير الذاتية تركيزها على أهمية البيت و المدرسة في إيقاض و تطوير الطاقة الإبداعية عند الأشخاص . وبتتبع حياة مبدعين فرادا و ما توحيه ، فهناك حالات عامة تؤثر على جغرافية الإبداع . وهي : العلاقات حيث أدركتها جيدا الدراسات السابقة عن البيئات . و المعطى الجديد المضاف هو الفائض الاقتصادي ، و أهمية سماح البيئات المختلفة للبدائل و الفرص للخروج عن المألوف في القيم و أنماط الأفكار . و الملاحظة الأخرى ان المناقشات و اللقاءات تسمح بتجمع الأشخاص المبدعين مع بعض و تشكيل أفكارا يمكن ان تقود إلى تجديد شامل . و بالختام فهناك سبب وجيه لتكرار القول : كيف ان عددا قليلا من مسارات حياة أشخاص يعكس التغيرات الجذرية في المجتمع الأكبر .

ترجم بتصرف
أ.د. مضر خليل عمر الكيلاني

10 – المراجع و المصادر
- de BONO, E. (1977): Lateral Thinking. A Textbook of Creativity.
Penguin, Harmondsworth.
- de BONO, E. (1990): Lateral Thinking. Creativity Step by Step.
Perennial Library, New York.
- BRADBURY, M. (ed.) (1996): The Atlas of Literature. De AgostiniEditions,
London.
- BURTON, N. (2002): Det som muser viskat. Sju fragor och hundra
svar om skapande och kreativitet. Brutus Ostlings Bokfِrlag
Symposion, Stockholm/Stehag.
- CEDERLUND, C. (1999): Universitet. Platser dar varldar mots.
SNS Fِrlag, Stockholm.
- DOSI, G. et al. (1992): Technical Change and Economic Theory.
Pinter Publishers, London, Hagedorn.
- EDQUIST, CH. (1997): Systems of innovation approaches – their
emergence and characteristics. Systems of Innovation: Technologie,
Institutions, and Organizations. Pinter, London and
Washington, DC.
- EKVALL, G. et al . (1987): Organisation och innovation: en studie
av fyra divisioner vid EKA Kemi i Bohus. Studentlitteratur,
Lund.
- FLORIDA, R. (2002): The Rise of the Creative Class. And How
it´s Transforming Work, Leisure, Community and Everyday
Life. Basic Books, New York.
- HAGERSTRAND, T. (1953): Innovationsforloppet ur korologisk
synpunkt. C W K Gleerup, Lund.
- HAGERSTRAND, T. (1970): Tidsanvandning och omgivningsstruktur,
SOU: 14.
- HALL, P. (1998): Cities in Civilization. Culture, Innovation, and
Urban Order. Weidenfeld & Nicolson, London.
- HARGITTAI, I. (2002): The Road to Stockholm. Nobel Prizes,
Science, and Scientists. Oxford University Press, Oxford.
- HOLLINGSWORTH, R. (2000): Major discoveries and biomedical
research organizations in WEINGARD, P. and STEHR,
N. (eds): Practising Interdisciplinarity. University of Toronto
Press, Toronto.
- KANTER, R. (1999): The Change Masters. Corporate Entrepreneurs
at Work. International Thomson Business Press, London.
- KOESTLER, A. (1989): The Act of Creation. Arkona, London.
- LANDRY, C. (2000): The Creative City. A Toolkit for Urban Innovators.
Earthscan Publications, London.
- LARSSON, U. (ed.) 2001: Cultures of Creativity. The Centennial
Exhibition of the Nobel Prize. Science History Publications,
USA & The Nobel Museum.
- LEAMER, E. and STORPER, M. (2003): The economic geography
of the Internet Age. Journal of International Business
Studies.
- LENNTORP, B. (1976): Path in Space-Time Environments. Lund
Studies in Geography, Ser. B. Lund.
- MARX, G. (1999): Provision for a Long Journey. Department for
Atomic Physics, Eِtvِs University, Budapest.
- OLDENBURG, R. (1999): The Great Good Place. Marlow, New
York.
- PARKES, D. and THRIFT, N. (1980): Times, Spaces, and Places.
John Wiley & Sons, Chichester, New York, Brisbane, Toronto.
- SCHUMPETER, J. (1934): The Theory of Economic Development:
An Inquiry into Profits, Capital, Credit, Interest, and
the Business Cycle. Harvard University Press, Cambridge.
- SCHUMPETER, J. (1939): Business Cycles: A Theoretical, Historical,
and Statistical Analysis of the Capitalist Process. Mc-
Graw-Hill, New York.
- THOMSON, V. (1965): Bureaucracy and innovation, Administrative
Science Quarterly, 10: 1.
- TRNQVIST, G. (1989): La Créativité: Une Perspective Géographique,
La Géographie de la Créativité et de l´Innovation.
Université de Paris-Sorbonne, Paris.
- TRNQVIST, G. (1990): Towards a geography of creativity in
SACHAR, A. and OBERG, S. (eds): The World Economy and
the Spatial Oranization of Power. Avebury, Aldershot.
- TRNQVIST, G. (1998): Renassans for regioner. SNS Fِrlag,
Stockholm.
- TRNQVIST, G. (2002): Science at the Cutting Edge. The Future
of the resund Region. Copenhagen Business School
Press, Copenhagen.
- TRNQVIST, G. (2004): Kreativitetens geografi. SNS Forlag,
Stockholm.
- WEISBERG, R. (1993): Creativity: Beyond the Myth of Genius.
Freeman, New York.


fdzm hghfj;hv ,hghf]hu jpgdg [yvhtd












الملفات المرفقة
اسم الملفنوع الملفحجم الملفالتحمــيلمرات التحميل
Creativity.doc‏ 246.0 كيلوبايت المشاهدات 253
توقيع : Muthar

أ.د. مضر خليل عمر الكيلاني

http://www.muthar-alomar.com/

عرض البوم صور Muthar   رد مع اقتباس Share with Facebook
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


ضع بريدك هنا ليصلك كل ماهو جديد:


الساعة الآن 01:01 PM بتوقيت مصر

::::::: الجغرافيون العرب :::::::

↑ Grab this Headline Animator


Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 1
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimization by vBSEO
الحقوق محفوظة لمنتدى للجغرافيين العرب

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105