دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر الكريم .. زيارتك لنا أسعدتنا كثيراً .. و لكن لن تكتمل سعادتنا إلا بانضمامك لأسرتنا .. لذا نرجوا منك ملئ النموذج التالي من فضلك

اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر
البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني



هل انت موافق على قوانين المنتدى؟


منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ هذا المنتدى هو صدقة جارية للدكتور المرحوم أحمد أحمد الشيخ من جمهورية مصر العربية

كاتب الموضوع مؤسس المنتدى مشاركات 9 المشاهدات 45145  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-04-2010, 08:39 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
 
الصورة الرمزية مؤسس المنتدى

البيانات
التسجيل: Dec 2006
العضوية: 7
المشاركات: 7,867 [+]
بمعدل : 1.84 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 4181
نقاط التقييم: 12599
مؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond repute


الإتصالات
الحالة:
مؤسس المنتدى غير متواجد حالياً

المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
Exll دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

دور العرب في تطور علم الجغرافيا:
كان العرب أهل بادية يسيحون في الصحراء بإبلهم وأغنامهم بحثاً عن الكلأ والماء، ولم يكن في مقدورهم اجتياز تلك الفيافي إلا عن طريق تحديد أشياء في النهار ويستخدمون النجوم كعلامات في الليل. هذه الظروف البيئية الطبيعية في بيئتهم فرضت على العرب أن يكونوا على علم ببعض نواحي الجغرافية وإن لم يكن يدرسوها لذاتها، لهذا لم يكن غريباً أن نقف على آثار عربية لها صلة وثيقة بمسائل جغرافية من قبل أن تولد الجغرافية العربية كعلم، نجد أن الشعر الجاهلي ترددت فيه الجغرافية مثل ما تردد في المعلقات السبع التي لا تخلو إحداها من ذكر المواقع ووصف المظاهر الطبيعية المختلفة.
ونجد أن رواية الشعر كانت أهم ما عنى به العرب على مدى العصور فكانت القصائد تتردد على ألسنة الرواة وهذا من فضل الشعر العربي على الجغرافية، أي خلودها بخلوده هو نفسه وحفظ لنا البذور الأولى للفكر الجغرافي العربي ولذا أصبح مصدر لدراسة هذا الفكر، وأصبح الشعر عون للباحثين في الجغرافية التاريخية، ولا غرابة إذن أن الجغرافية كانت بين الفنون التي اشتغل بها العرب الأوائل.
ونجد أن " الأصمعي " وهو من علماء اللغة، من العارفين بجغرافية الجزيرة العربية معرفة دقيقة، وتستمر هذه الصلة بين اللغة والجغرافية حتى عصر متأخر فنجدها في " معجم البلدان " لياقوت الحموي وهو موسوعة جغرافية وكتاب في اللغة، وفى كتاب " العروس " للزبيدى وهو من معاجم اللغة العربية، وكان عدد غير قليل من العرب أهل تجارة وهى حرفة تطلبت منهم أن يضربوا في الأرض ويعرفوا أسواقها وما تنتجه أراضيها وصناعاتها وعادات وتقاليد أهلها، ويتفق ذلك مع دراسة الجغرافيا؛ حيث أن فالجغرافية في المفهوم القديم لا تزيد عن كونها علم بالأرض ودروبها، وسكانها ونشاطهم الاقتصادي، وهكذا كانت الجغرافية العربية في نشأتها الأولى وليدة ظروف البيئة إلى حد كبير.
في القرن السابع الميلادي ظهر الإسلام في الجزيرة العربية، ولم يمض طويل وقت حتى انتشر الإسلام شرقاً وغرباً، فوصل شرقاً حتى حدود الصين وغرباً حتى بحر الظلمات أو المحيط الأطلسي وأوربا، وقامت إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف، وأصبح من الضروري الوقوف على أحوال هذه الأراضي الشاسعة، التي وجدت تحت راية الإسلام، وكان لابد للنظام الحاكم أن يلم بالطرق التي تربط هذه الإمبراطورية، وأن يعرف المسافات التي تفصل بين المدن الرئيسية وبين الأقطار المختلفة، وكان من قواعد الإسلام الحج إلى بيت الله الحرام، والحج رحلة تتطلب معرفة الطرق إلى بيت الله الحرام، وما عليها من الماء ومنازل القبائل وأماكن الرعي، وكان تجمع المسلمين في الحج له أثره في معرفتهم وتبادل المعلومات عن ديارهم.
كذلك قد ظهر بين العرب لفيف من الكتاب أولوا اهتمامهم بما أسموه تقويم البلدان، وكثرت الكتابات العربية في هذا الميدان، ولا تزال هذه الكتب وإن كان العهد قد قدم بها تمثل مرحلة بارزة في تاريخ الفكر الجغرافي بعامة، خاصة إذا نظرنا إليها بمنظار عصرها، وأمام اتساع هذه الدولة الإسلامية ظهر لفيف من العلماء اهتموا بالتعرف على أحوال هذه البلاد، وكتبوا ووصفوا فيما عرف بتقويم البلدان وظهرت كتابات كثيرة تحمل اسم المسالك والممالك، الممالك والمسالك، ومسالك الممالك، وتقويم البلدان، وهى تعنى خاصة بمعرفة كيفية ربط أجزاء هذه الدولة ببعضها، وما هي الدروب والمسالك والمدن التي توجد في هذه الدولة.
عندما انتشر العرب خارج ديارهم مع الإسلام كانوا أوسع أفق من غيرهم فلما اتصلوا بالحضارات القديمة في الأراضي المفتوحة، لم يقفوا من تلك الحضارات موقف الكراهية، ولكن أخذوا منها كل ما لا يتعارض مع دينهم، وكل ما ينفعهم في دنياهم، ونحن نعرف كيف توقف الفكر على كتاب " المجسطى Almadjisti " لبطليموس، حيث ظل هذا الكتاب أساس الجغرافية في كل الجهات. لكن مع ظهور المسيحية نجد أن علمائها وباباواتها الأوائل يقولون أن دراسة الفكر القديم نوع من الوثنية ولون من الهرطقة، وأن دراسة الأرض خروج عن الدين، حيث أنهم أرادوا أخذ العالم كما هو، لا يفكرون في شئ منه، وأصبح كثيراً من الناس يحقر المعرفة، التي تفسر أسرار الكون، ويعتبرون هذه المعرفة نوع من الوثنية والهرطقة.
العرب كان لهم موقف مغايراً تماماً، كانوا يختلفون عن اليونانيين والرومانيين حيث كان اليونانيون أهل فلسفة وثقافة، والرومانيون قوم عمليون حيث كان اهتمامهم الأول هو الغزو، أما العرب فقد أجمعوا بين الأمرين حيث حروبهم الكثيرة، ومعرفتهم بكل ما يقع عليه بصرهم، فعندما فتح العرب سوريا وجدوا في كثير من أديرتها رجال على المذهب النسطورى وقد كان هؤلاء يعرفون اللغة اليونانية، ولذلك حفظوا التراث اليوناني القديم، وعند اتصال العرب بهم كرموهم واحترموهم، وأخذوا ينقلون عنهم المعارف والمعلومات التي تجمعت لديهم.
لما اتسع الحكم العربي على عهد العباسيين، نجد أن الخلفاء العباسيين كانت لهم مساهمة مشكورة في تشجيع المعرفة والعلماء، فنجد أحد العباسيين وهو الخليفة هارون الرشيد قد أنشأ الأكاديمية ولكن سماها " بيت الحكمة " وجعل من بين المهام المسندة إلى العاملين به ترجمة الكتب الأجنبية وعلى الأخص المعرفة اليونانية وذلك في مختلف علوم المعرفة، وقد كان " هارون الرشيد " متسامح إلى حد كبير وكان يستخدم المترجمين دون النظر إلى دينهم، حيث كان أغلب المترجمين على دين غير الإسلام، وتابع " المأمون " والده " هارون الرشيد "، وجمع الكتب لبيت الحكمة من كل أرجاء العالم، وإذا تكلمنا عن العربية فإنها العربية بالمجموع الواسع وليس المتكلمين باللغة العربية الآن، ولكن في القديم كل ما أنتجته الكتابات باللغة العربية، وكثيراً من الذين أثروا الكتابات العربية ليسوا عرباً.
لفظ جغرافية لم يظهر في اللغة العربية على معنى وصف الأرض، وكان هذا الظهور في عهد متأخر هو عهد المأمون، وقد كان أول استخدام لكلمة جغرافية على يد " أخوان الصفاء وخلان الوفاء " في رسائلهم، وقبل ذلك كانت تستخدم للدلالة على كتاب بطليموس " جغرافية " وأخذ المفهوم بكلمة جغرافية يستقر في ذهن العرب فكان " حاجى خليفة " وهو تركي الأصل يعرف الجغرافية في كتابه المشهور " كشف الظنون في الرسائل والفنون " فيقول: (علم جغرافية: وهى كلمة يونانية بمعنى صورة الأرض، ويقال " جغراويا " هو علم يتعرف منه أحوال الأقاليم السبعة الواقعة في الربع المسكون من كرة الأرض وعروض البلدان الواقعة فيها وأطوالها – وهو جزء أساسي من الجغرافية – ويتعرف كذلك على عدد مدنها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها، إلى غير ذلك من أحوال ذلك الربع).
ويبدو أن الجغرافية العربية قد بدأت منذ القرن السادس عشر تهتم بالجوانب البشرية، يدل على ذلك ما ينقله حاجى خليفة عن داود بن عمر الأنطاكى من قوله " أن الجغرافية علم بأحوال الأرض من حيث تقسيمها إلى أقاليم وجبال، وأنهار، وما يختلف حال السكان باختلافه "، وبطبيعة الحال لم يكن العرب أول من فكر في هذا ولكن سبقهم فيه اليونانيون، وهذا قوله في مفتاح السعادة.
في بداية القرن التاسع الميلادي أو الثالث الهجري كان بداية التحول من عصر الظلام والخرافات إلى عصر التفكير العلمي، ويتمثل ذلك فيما نراه من إقبال شديد على ترجمة ما خلفته الحضارات الهندية والفارسية واليونانية، وكان أول ما نقل من هذا التراث إلى اللغة العربية " رسائل في الفلك " كتبت باللغة السنسكريتية، وقد نقلت إلى العربية تحت اسم السند هند، وقد أخذ العرب من المصطلحات التي جاءت من السنسكريتية مصطلحات كثيرة وتحولت إلى العربية، ومنها على سبيل المثال كلمة الأوخ وقد حولت إلى الأوج، وكذلك كلمة جوا وقد حولها العرب إلى جيب ( أي جيب الزاوية ) ولم تمض سنوات على حلول مثل هذه المؤثرات السنسكريتية حتى ظهرت المؤثرات الفارسية.
قبل أن ينتهي القرن الثامن الميلادي نجد أن على بن زياد التميمى يترجم كتاب الزيج البهلوى، وعن هذا الكتاب أخذ العرب فكرة خط الزوال، والذي استخدمه الفلكيين العرب في حساب الأطوال، وكان آخر الآخذين من آراء الهند والفرس هما الخوارزمي، وأبو معشر، ومنذ القرن التاسع الميلادي انتشرت المؤثرات اليونانية وبالأخص في النصف الثاني منه، أخذ المذهب اليوناني في الانتشار السريع وكان أول من اشتغل بالنقل عن اليونانية هو " خالد بن يزيد بن معاوية "، واشتهر من بين المترجمين عن اللغة اليونانية " زكريا بن يحيى البطريق"، و " الحاج بن مطر "، والذي ترجم كتاب المجسطى لبطليموس.
وازدهرت الحركة الفكرية في عهد العباسيين ونقلت كثيراً من علوم اليونان إلى العربية واشتغل بذلك كثيرون منهم " حنين بن اسحق، وثابت بن كرة، وأولاد موسى بن شاكر ". وكتب الرئيس " أبو الحسن بن سينا " كتباً كثيرة في الجغرافية، واختصر كتاب Almadjisti وكتب رسالة في المعادن ظلت المصدر الأول في الدراسات الجيولوجية حتى عصر النهضة في أوربا.
وقد كان هناك مراكز ثقافية حضرية ومدارس، فبجانب المركزين الرئيسيين في بغداد والقاهرة، ظهرت مدارس في شمال أفريقيا ساهمت في الحركة الفكرية، ومن أهم هذه المدارس " فاس ، وطنجة ، ومراكش "، وكان من أشهر رجالها " أبو الحسن بن عمر المراكشى " صاحب كتاب " جامع المبادئ والغايات " أي علم الميتات والذي يقول عنه الأستاذ " ستون " أن بحوثه في الجغرافية هي أهم الإضافات في الجغرافية الرياضية. ونجد أن أسبانيا على عهد العرب ساهمت إسهاماًً كبيراً في النشاط العلمي ولكن ضاع ما كتب في ذلك العصر أو لم يصل إلينا حتى الآن، وقد اهتم العرب بكل فروع الجغرافية.
العرب ومختلف فروع الجغرافية:
ومن خلال ما سبق نري أن العرب أخذوا النظر في فروع الجغرافية وجوانبها المختلفة، فلم تعد الجغرافية الفلكية والرياضية هي أساس الدراسة وإن كان العرب قد أسهموا فيها، وبالأخص إخوان الصفاء وخلان الوفاء. وتنقسم الجغرافية عند العرب إلي فرعين هما: الجغرافية الطبيعية والجغرافية البشرية، والفرع الطبيعي يدرس الأرض، والبشرى يدرس الإنسان؛ حيث نجد أن الجغرافية الطبيعية تتناول الأغلفة الثلاث المتمثلة في: الغلاف الصخري Lithosphere، والغلاف المائي Hydrosphere، ثم الغلاف الجوى Atmosphere، وما هذه الأغلفة إلا ميدان الجغرافية الطبيعية في الوقت الراهن.
ومن ثم فإن هذه الميادين قد اهتم بها العرب، حيث اهتموا بأشكال السطح وكيف تتكون والعوامل التي تؤدى إلى تكوينها، فمثلاً يرون أن تجوية الجبال ترجع إلى أشعة الشمس المستمرة، بالمفهوم العصري هذا الكلام حقيقي ولكن يصور بصورة أخرى حيث تمتد الصخور بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وهى علمية التجوية. ونجد أنهم أيضاً ينظرون إلى الأمطار والأنهار على أنها عوامل نحت وإرساب، فالأمطار تكسح الصخور والأنهار تنحت الأرض ، بل أكثر من هذا نجد أنهم لم يغفلوا موضوع التغيرات الجيولوجية، وقد اهتم بها إخوان الصفاء، وينظرون إلى ما يحدث من تحول في تركيب الغلاف الصخري، وإن لم يكن تعليلهم سليم ولكن لهم فضل التفكير فيه، ونجد أنهم يذهبون إلى أن حرارة الشمس تحطم صخور الجبال فتحولها إلى أحجار صغيرة وحصى ورمال، ولكن الرياح العاتية تعمل على بعثرة هذه الرواسب، وتلقى بها في قاع البحار مكونة طبقة فوق طبقة ومع مضى الزمن يؤدى ارتفاعها إلى تكوين الجبال.
نص إخوان الصفاء لتفسير هذا الكلام:
" مثلما تبنى الجبال في أعماق المحيط يرتفع البحر ويفيض على السهول حتى تصير بحاراً ويصير البحر يابس على مرور الأيام وعلى سطح الأرض التي برزت من البحر تتساقط الأمطار وتتكون مجارى المياه التي تحمل معها التربة والرمال ". يعنى هذا أن العرب في هذه الفترة المبكرة قد أدركوا دورة التعرية والتي قالها بها ديفيز بعد ذلك، وكذلك بالعمليات الجيومورفولوجية الأخرى.
ولسوء الحظ من تأثر منهم بالجغرافية الفلكية القديمة أرجع العلاقة النسبية بين اليابس والماء إلى التغير في مواقع النجوم في قبة السماء ( القبة السماوية )، وقد سيطرت هذه النجوم عليهم ومازالت حتى الآن لها بعض التأثير. ونجد أن الجغرافيين المحدثين لا يأخذون بهذا القول ولكن يرجعون ذلك إلى باطن الأرض، وهل معنى ذلك أن العرب لا يعرفون حرارة باطن الأرض لا نجد أنهم يعرفون أن الباطن حار وهو المسئول عن التغيرات الناجمة عن الحركات الباطنية والدليل عندهم على أن الباطن حار تفسيرهم الزلازل والبراكين حيث ربطوها بباطن الأرض، وتفسير إخوان الصفاء والوفاء لذلك كما يلي:
" إن الماء الذي في باطن الأرض تحوله الحرارة إلى بخار يحاول أن يخرج من قشرة الأرض حتى إذا ما وجد منطقة ضعف في هذه القشرة اندفع منها مع حدوث دوى ترتجف منه قشرة الأرض وتكون الزلازل “.
أما البراكين فتفسيرها عندهم:
" أما إذا كانت قشرة الأرض صلبة يظل الماء حبيس وهو ساخن وهو يحتوى على مادة الكبريت ومادة النفط فإذا استطاعت الرياح أن تشق طريقها إلى الباطن بشكل أو بآخر، فبذلك يلتهب النفط والكبريت وتندفع الأبخرة والصهير “ أي أن ظاهرتي الزلازل والبراكين شئ واحد، وبذلك هم عكسوا تفسير ظاهرة الزلازل والبراكين.
العرب في دراستهم للغلاف الغازي اهتموا بما يلي:
1- بدراسة الظاهرة الجوية مستقلة للمنطقة.
2- ثم عنوا بظاهرة الارتباط بين هذه الظاهرات الجوية وتداخلها مع بعضها لتعطى صورة المناخ.
علم الأرصاد الجوية وعلم المناخ مما اهتم به العرب في دراستهم غير أن العرب كانوا مازالوا متأثرين بالنظرية اليونانية حيث أن الثقافة اليونانية كانت هي السائدة وقد ترجم العرب هذه الثقافة. وقد كان العرب يرون في ذلك الوقت أن الجو يتكون من طبقات فوق بعضها البعض ونجد أنهم يقولون بوجود ثلاث طبقات، وهذا كما هو الآن:
1- طبقة النسيم: وهى أقرب الطبقات إلى الأرض وأكثر اعتدالاً في حرارتها ولذلك فهي تمكن الإنسان من العيش على الأرض، ولو لم يكن لها صفات الاعتدال لما قامت الحياة على سطح الأرض، وهو الغلاف الذي به الأوكسجين كما نعرف الآن وتسميتها بالنسيم صحيح.
2- طبقة الزمهرير: وهى طبقة شديدة البرد، وهذا ما هو واقع الآن.
3- طبقة الأثير: وهى أقرب الطبقات للقمر وهى شديدة الحرارة وهذا ما أثبتته الدراسة الآن من أنها شديدة الحرارة.
العرب في فهم هذه الطبقات لم يعرفوها بأنها طبقات منفصلة ولكنها في نظرهم متداخلة في بعضها وإن كانت كل منها مميزة عن الأخرى، كذلك نجد أن العرب يعرفون الفرق بين أثر الأشعة العمودية والأشعة المائلة، وأنه كلما ضاقت زاوية ميل أشعة الشمس قلت درجة الحرارة، ويرون أن عمودية الأشعة عامل أساسي في اتجاه الرياح وكمية المطر، وإن كان هذا الكلام غير صحيح، ولكنه يعطى الأساسي، أي أن الفكرة العامة موجودة عند العرب وإن كانوا لم يفسروها. وفى رأيهم أن المطر يسقط بسبب صعود البخار وذلك بسبب تسخين الشمس فإذا ما وصل البخار إلى طبقة الجو البارد يتكاثف ويثقل وزنه وينزل في أشكال التساقط المختلفة، مطر أو ثلج أو برد. ويفرق العرب بين أربعة أنواع من الرياح هي:
1- رياح الشمال: وهى الريح التي تهب عن يسارك وأنت مولى ناحية الشمس، وهى رياح باردة، وذلك هو الواقع، حيث موقعهم كان شمال خط الاستواء.
2- ريح الجنوب: وهى التي تهب عن يمينك، هذه في نظرهم رياح ساخنة لا يرحب بها ولذلك كل شعراء العرب يتغنون بريح الشمال لا بريح الجنوب الساخنة، وهذه الريح محملة بالأتربة والرمال.
3- ريح القبول أو الصبي: وهى أفضل الريح عندهم وهى التي تهب من الشرق.
4- ريح الغرب – الدبور: وهى رياح مرتبطة – كما هو واضح – بالجهات الأصلية، وهى رياح دائمة.
لما اتسعت آفاق العرب باتساع الإمبراطورية الإسلامية نجد أنهم يعرفون ما يطلقون عليه الرياح الموسمية – وهى من تسميتهم – بعد أن وصلوا إلى المحيط الهندي حيث أن السنة مقسومة إلى قسمين صيف وشتاء، وجدوا أن هناك مواسم للرياح وسميت الرياح الموسمية، وأصبحت تسمية عالمية.
من الغريب أن نلاحظ أن بعض الجغرافيين العرب ومنهم المقدسى يدرك أن نصف الكرة الجنوبي يتكون معظمه من الماء بخلاف النصف الشمالي الذي به اليابس، كيف اهتدى المقدسى إلى ذلك ؟ لا نعرف، وقد اهتدى الغرب إلى ذلك بعد عدة قرون أي بعد الكشوف الجغرافية. كذلك نجد أن هناك أمر غريب آخر عند المقدسى كان يرى أنه مادامت الأرض كرة فإن النصف الغربي يكون معمور مثل الشرقي حتى يحدث التوازن، وقد قال ذلك قبل اكتشاف الأمريكيتين ، وإن كان تفكيره نظري ولكن يقبله العقل.
هذا التطور الملحوظ في الفكر الجغرافي وتصور شكل الأرض ومظاهر السطح فيها وتوزيع اليابس والماء أدى إلى أن تظهر كتابات متنوعة تتناول مختلف الجوانب من فروع الجغرافية وكان أسبقها هو فرع الجغرافية الإقليمية، ونجد أن العرب يدرسون الجغرافية الإقليمية العامة على أساس الأقاليم السبعة التي سبقهم إليها اليونان، وكانت فكرتهم أنها نطاقات هندسية تمتد من الشرق إلى الغرب تحيط بالأرض ومحددة بدوائر العرض وبين الواحد والآخر نصف ساعة من طول النهار. وكانت هذه الأقاليم تسهيلاً للدراسة تقتصر على الربع المعمور من الأرض، ولذلك نجد أنهم لا يبدأون هذه الأقاليم من خط الاستواء حيث أنه شاع بينهم أن منطقة خط الاستواء لا تصلح للسكنى بسبب شدة الحرارة. والأقاليم السبع محصورة بين درجة العرض 516، 50 5 شمالاً وذلك في نظرهم.
في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي نجد ثلاثة من أعلام الجغرافيين العرب عنوا بدراسة الجغرافية الإقليمية، واختلف فهمهم للإقليم عن فهم اليونان القدماء، فلم يعودوا يفكرون في الأقاليم السبعة، وإنما أصبح للإقليم مفهوم آخر عندهم، أصبح في نظرهم وحدة جغرافية متميزة، وأسبقهم كان " الاصطخرى " في كتابه " المسالك والممالك " يبدأ في مقدمته بما يلي:
" أما فيما بعد فقد ذكرت في كتابي أقاليم الأرض على الممالك وقصدت فيها بلاد الإسلام، ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض بل جعلت كل قطعة مفردة بصورة “، وفى هذا الكلام قد فكر تفكيراً إقليمياً وأخذ الوحدة السياسية والإقليمية، مثل إقليم فارس، وإقليم مصر، وإقليم الأندلس، وإقليم جزيرة العرب كل منهم إقليم.
قال ابن حوقل من بعده في كتابه " صورة الأرض “:
" لم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض لأن الصورة الهندية وإن كانت صحيحة فكثيرة الخلط "، بعد ذلك يأتي المقدسى فيختلف عنهم، فلا يتخذ الحدود السياسية أساس للتقسيم بل نجده يعمد إلى أكثر من أساس فأحياناً يعتمد على الأساس الإثنوجرافى وبذلك قسم العراق إلى القبائل النازلة فيه وهى ثلاث، فقسم العراق إلى ثلاث أقاليم وهى:
1- ديار ربيعة.
2- ديار بكر.
3- ديار مضر.
ويستعمل شكل التضاريس ويأخذها أساس للتقسيم إلى أقاليم ثانوية، فعند الحديث عن الشام قسمها إلى أربع نطاقات:
1- نطاق الساحل ( ساحل البحر المتوسط ) وأرضه رمال ناعمة.
2- نطاق الجبال وهو المعمور لكثرة زروعه.
3- إقليم الأغوار.
4- إقليم الصحراء.
وهذه هي نفس الأقاليم في الوقت الحالي. نجد الاصطخري أيضا يلجئ إلى أسس المناخ كأساس في التقسيم الثانوي فنجده مثلا يقسم بلاد فارس إلى:
1- فارس الشمالية.
2- فارس الجنوبية.
الإقليم الأول يطلق عليه إقليم " الصروم " والثاني إقليم " الجروم “، ويصف الصروم من أن فيها أماكن من شدة البرد لا ينبت فيها شئ من الفاكهة، أما الجروم ففيها ما يبلغ من شدة الحر أن لا ينبث عندهم شئ من النبات. والصروم كلها صحيح الهواء، أما الجروم فيغلب عليها الهواء الفاسد المتقلب ، فواضح من ذلك أنه وجدت الإقليمية عندهم وإن اختلفت ، وهذه الأسس مازالت متباينة حتى الآن .
الجغرافية الإقليمية عند العرب:
إن المنهج الذي اتبعه الجغرافيون العرب في الجغرافيا كان منهجاً فيه كثيراً من الوضوح، مثلاً نجد ابن حوقل يشرح في مقدمة كتابه المنهج الذي اتبعه ويذكر أنه قد عمل كتابه بصفة أشكال الأرض، ثم مقدارها في الطول والعرض، وقد عنى بالموقع الجغرافي، أين تقع المنطقة بالنسبة لخطوط الطول والعرض ؟ والموقع يدرك بالواقع ( القياس ) وليس بالحس.
وأول من كتب في جغرافية العمران ابن خلدون وكان يعنى الجغرافية البشرية من جميع بلاد الإسلام حيث ذكر ما يحيط بها من الأماكن والبقاع وما في أمصارها(بلادها) من المدن والمحلات العمرانية (القرى) وما بها من الأنهار والبحار، وما يحتاج إلى معرفته من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجه الأموال والجبايات، والأعشار، والخراجات، والمسافات في الطرق، وما فيه من المجالب والتجارات. وواضح أن مفهوم الجغرافيا الإقليمية عند ابن حوقل مثل ما عند هيرودوت، ثم حينما ندرس إقليم من الأقاليم ندرس النواحي الطبيعية والبشرية فيه.
طريقة الجغرافيين في معالجة الجغرافية الإقليمية في منطقة ما تتناول ناحيتين: الأرض، والبشر. تُدرس الأرض على أساس موقعها وما بها من جبال وأنهار ومظاهر طبيعية مختلفة، ويدرسون الناس ودراستهم للناس تختلف عن الجغرافية البشرية الحالية. فهم يدرسون الناس على أساس طعامهم ولباسهم، ومعتقداتهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم، ونظمهم الاجتماعية ودراستهم على هذا النحو أقرب إلى دراسة الاجتماع منها إلى دراسة الجغرافية الحالية. ويبدأون دراستهم بالهيكل الطبيعي للمكان وربما كان الموقع، دولة أو إقليم، ويدرسون المظاهر الطبوغرافية والمظاهر المناخية.
وعلى سبيل المثال يدرس المقدسى بلاد الشام فيبدأ بتقسيمها إلى أقاليم هي:
1- إقليم الساحل.
2- نطاق الجبال.
3- إقليم الأغوار.
4- إقليم الصحراء.
ويدرس مناخ الإقليم ويقول عنه:
" والمناخ معتدل بصفة عامة إلا ذلك الجزء الذي يقع في المنطقة الوسطي فهو يتميز بالحرارة، وهى منطقة الأغوار، ويقارن بين هذا الإقليم ومناخ مناطق أخرى، فيجد أن المناخ في الإقليم أكثر اعتدالاً من مناخ " هجر " ( البحرين ) والبصرة وبغداد أكثر حرارة من مناطق الشام " والحكم على اشتداد الحرارة هنا حكم نسبى.
ويتميز مناخ العراق بالتقلب، " بغداد “، و " واسط " والبلاد فيما بينهم معتدلة المناخ وقد تكون غير معتدلة في أوقات أخرى أي أن المناخ متقلب، والجو يكون معتدلاً عند هبوب رياح الشمال – التي تهب من الجبال من الشمال من جبال كردستان – هذا يبين بوضوح أن الجغرافيين الإقليميين العرب كانوا يهتمون بالأحوال المناخية للإقليم كصورة من صوره العامة وإن كانوا لا يعرفون الفروق بين الأقاليم من ناحية الحرارة أو الاختلاف في المناخ. ولم يكن اهتمامهم بالناحية الطبيعية فقط ولكن اهتموا بالبيئة الحضارية، فمثلاً نجد الاصطخري وهو يتحدث عن الفرس يصف ملابسهم فيقول:
" يلبسون الدراريع والعمائم فإن لبسوا تحت العمائم قلانس جعلوها توقى الوسخ، ولا تظهر ولا يلبسون قباءاً ولا طيالسة، أما الملوك فإن لباسهم من الأقبية، وربما لبسوا الدراريع التي هي أوسع فرجة وأعرض جرباناً، ويلبسون السيوف بالحمائل وفى أوساطهم المناطق ( الأحزمة ) ".
ومن ملاحظات المقدسى على أهل الشام أنهم يفخرون بلباسهم علمائهم وسوقتهم على السواء. وكذلك نجد أصحاب الجغرافية الإقليمية لا يكتفون بالوصف الكلامي ولكن يضيفون لها مصورات للمناطق ولم تكن مثل المصورات الحديثة، ولكن كان كل همهم فيها أن يبينوا طرق المواصلات والمدن الكبرى وحدود الممالك، ويعينون الطريق بما حوله من جبال أو ما يمر به من الأنهار ويعيب تلك المصورات أنها ليس لها مقياس رسم ( أي غير دقيقة ) وكل دقتها في الاتجاهات، صفة أخرى تميز الخرائط والمصورات العربية، أن شمالها في أسفل الخريطة والجنوب إلى أعلى على عكس التوجيه الحديث للخرائط، أن الجزء الأكبر من كتابات العرب تتناول هذه الناحية ( الجغرافية الإقليمية ) سواء ما يدرس العالم كوحدة أو يدرس إقليم واحد مثل مصر، أو فارس.
أقدم كتب الجغرافية الإقليمية كتاب " المسالك والممالك " وهو كتاب " إبن خرداذبة " وأهم ما نلاحظه على الكتاب أنه لا يسير على نظام معين في الكتابة، ويظن أن النسخة الموجودة ليست النسخة الأصلية ولكنها مختصرة للكتاب الأصلي. وميزته أن كتاباته لا تقتصر على جغرافية العالم الإسلامي المعروف ولكن تتعداها إلى مناطق أخرى مثل الصين وكوريا واليابان، وهو لم يراها رأى العين فهو كان كاتب وليس رحالة، ويسرد ذلك عن طريق السماع لا المشاهدة ، وهذا الجزء ليس في دقة الجهات التي تناولت العالم الإسلامي لأنه لا يرى المناطق البعيدة عن العالم الإسلامي . كذلك كتب " أبو يوسف بن يعقوب الكندي" كتابه " رسم المعمور من الأرض " وكتب تلميذه " أحمد بن الطيب السرخسى " كتابه بنفس عنوان كتاب ابن خرداذبه ولكن الذي وصلنا منه كتاباته عن البحار والجبال.
كذلك من أصناف الكتب التي تتناول الجغرافية الإقليمية العامة كتاب " البلدان " لابن واضح العقبوى، وهو جغرافي مصري جاب كثيراً، ووصل إلى مداخل الصين في الشرق ووصل إلى سواحل بحر الظلمات في الغرب ثم استقر في وطنه مصر، ويتميز كتابه بأن فيه:
1- وصف مفصل لكثير من الأماكن.
2- يتميز بميزة أنه يشتمل على إحصاءات وكانت الأولى من نوعها وكان ذلك عن طريق ذكر الأرقام مثل ذكر الحمامات أو المساجد، وبذلك يمكن معرفة السكان.
3- ميزة أخرى أنه يهتم بطبوغرافية المدن.
وكان هذا من أوائل الكتابات عن ذلك الموضوع.
وكُتب في الجغرافية الإقليمية كتاب له أهميته وهو " مروج الذهب ومعاون الجوهر " للمسعودى، وله ميزة جديدة أنه من أوائل الكتب التي تذكر المراجع التي اعتمد عليها في كتاباته، وكل قول ينسبه إلى مصدره وبذلك فهو أشار إلى كتب فقدت الآن، وبذلك عرف اسم الكتاب وبذلك كان أمين ويظهر أنه كان عارف بمعظم الكتب الجغرافية العربية. بجانب هذا الاهتمام يتميز بميزة أخرى، وهو الوصف الناتج عن المشاهدة والرؤية ، وهو وصف بالعيان ، وهو إلى جانب ذلك رحالة وقد كان من أشهر الرحالة في عصره فوصل إلى الصين وسواحل إفريقية الشرقية وكتب عنها كمشاهد أكثر منه كمستمع. وظهرت كتب لها أهمية بعد المسعودي منها كتاب الإدريسي " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " أحسن الكتب التي تلتقي فيها الجغرافية القديمة بالحديثة. وما كتبه عن إفريقيا يمكن أن يعتد به، وكتاباته عن النيجر ومنابع النيل يمكن أن يعتد بها وإن لم يكن قد رأى منابع النيل.
ومن الكتب التي تكلمت في الجغرافية كتاب " مراصد الإطلاع في أسماء الأماكن والبقاع" الذي يكمله كتاب ياقوت. وكتب كتاب طريف آخر عنوانه " المختلف وصفاً والمفترق صقعاً " الذي تناول الأعلام الجغرافية، ويمكن أن يندرج تحت هذا الباب كتاب أبو الفداء ، وقد كان أمير حكم حماه ، وكتابه هو " تقويم البلدان " وهو من أوائل الكتب التي ترجمت إلى اللغات الأوربية ، وكان عامل مساعد على معرفة تقدم الجغرافية العربية في زمانه .
في نفس الوقت ظهر في الجغرافية موسوعات عربية وذلك في القرن الرابع عشر، وقد تميز ذلك القرن بالكتابة الموسوعية أي غير المتخصصة، مثل كتاب " مسالك الأبصار في أخبار ملوك الأمصار " لابن فضل الله العمرى، وهو كاتب موسوعي مصري، وقد كان كتابه يشتمل على 34 جزء وقد بدأ الكتاب في الأربع أجزاء الأولى بوصف إقليمي للعالم في عصره وبعد ذلك انتقل إلى تاريخ العالم منذ آدم حتى عهده. ومن بعده موسوعة " نهاية الأرب في فنون الأدب " لابن عبد الوهاب النويرى، والموسوعة لا تختلف عن سابقتها فقد تكلم فيها عن الأرض والجبال والبحار والأنهار، وكذلك كتب في الشعر . والموسوعات العربية عموماً تحمل أسماء أدبية لأن الموسوعة تتكلم في كل فروع المعرفة الإنسانية.
بجانب هذه الدراسات العامة كان بين الجغرافيين العرب بعض المتخصصين في منطقة من المناطق أو بفرع من فروع الجغرافية وليسوا جغرافيين عامين ولكن موضوعيين أو مكانين. مثال ابن الأصبع السلمي الذي أخرج كتاب بأسماء تهامة ومراكزها، ويشمل كتاب " صفة جزيرة العرب " وهو كتاب ابن يعقوب الهمدانى، وهو من الكتب التي يجب أن تكون المرجع الأول حينما نريد الكتابة عن جزيرة العرب، وبالأخص في الجغرافية التاريخية، وقد ضمن كتابه قصيدتان من الشعر وذلك لتسهيل حفظ الأماكن الواردة بالكتاب.
نجد من الكتاب الذين عنوا بدراسة النواحي المحدودة، أحمد بن فضائل والذي أتيحت له فرصة وهى أن الخليفة المقتدر العباسي قد أرسله في بعثة في الربع الأول من القرن العاشر إلى حاكم الأجزاء الجنوبية من ذلك النهر وقد كانت تلك المناطق جديدة عليه ولم يرى مثلها في بلاد العرب، وقد استجد عليه أشياء لم يألفها في بغداد وبالأخص من ناحية المناخ، وعاد من رحلته فكتب وصفاً كان أول وصف لهذه الأجزاء وليس الأول في اللغة العربية ولكن في اللغات، ولم تكن أوربا تعرف عن تلك الأجزاء شئ في ذلك الوقت.
إفريقيا التي ظلت مجهولة حتى أوائل القرن الثامن عشر نجد أن العرب أقدم من ذلك كانوا يسهمون في الكتابة عن إفريقيا، فمثلا نجد جغرافية السودان يكتب فيها المهلبى في كتاب كان الأول من نوعه في جغرافية هذه المنطقة، وكان أول كتاب باللغة العربية عن تلك الأجزاء، وقد ضاع الكتاب ولكننا عرفنا عنه من الكتاب العرب الذين كانوا ينقلون عن أسلافهم في أمانة، وقد كتب ياقوت عن السودان معتمداً على كتاب المهلبى وبذلك حفظ أجزاء كثيرة من الكتاب.
وقد تميز العرب بأن المسلمين منهم كانوا يؤمنون بالدعوة الإسلامية وتفانوا في نشرها، وقد كان الدعاة المسلمون من الأسباب التي أدت إلى الكشف عن أجزاء مجهولة من قارة إفريقيا وبالأخص في غربها، ومثال هؤلاء المرابطين في المغرب كان لهم الفضل في معرفة الأجزاء الغربية من إفريقية وكان لهم فضل نشر الإسلام فيها.
ومع هذه المعلومات التي تجمعت عن إفريقية، نجد كاتب من المسلمين الذي ترك فكره في العالم صدى واسع، وهو أبو الريحان البيروني يذكر معلومات قيمة عما يسميه " بسفالة الزنج " وهى موزمبيق الحالية. ونجد أن هذا الكاتب يهتدي دون رؤية ولكن بمعرفته الفكرية إلى أن القارة الإفريقية لا تمتد إلى ما لا نهاية ولابد عند نهايتها أن يلتقي البحران اللذان يحنان بها من الغرب والشرق، أي لابد من أن يلتقي بحر الروم أو المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي. ونجد أنه بعقلية الكاتب الرصين يسجل ذلك في نص قال فيه:
" لاشك في وجود هذا الاتصال بالرغم من أن أحدا لم يستطع إثباته بالعيان، ولكنه أثبته نتيجة التفكير وليس بالمشاهدة ".
بعد أن اتسعت المعلومات الجغرافية العربية أخذت طريقها إلى التخصص، وتظهر مؤلفات في الجغرافية تحمل أسماء متشابهة ومنها كتب الخطط. وقد كان أول من كتب في تلك الخطط كاتب مصري هو " المسبحى “، وكذلك كتاب المؤرخ “ المقريزى " وكتابه من أشهر كتب الخطط وهو كتاب " المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار “. وفى أوائل القرن العشرين كتب على مبارك كتابه " الخطط التوفيقية " وفيه يعطى وصف لمصر في جميع نواحيها في أوائل القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر .
ومن الكتب العظيمة كتاب " عبد الغنى النابلسى " عن " وصف الفيوم " وهو رحالة من الشام وهو من أحسن الكتب التي تعطى صورة طبوغرافية المنطقة ونشاطها الاقتصادي في القرن الثالث عشر. ويمكن أن نقول بصفة عامة أن الجغرافيين العرب وهم يكتبون عن الجغرافية الإقليمية كانت فكرتهم شاملة وبذلك يهتمون بالإقليم من جميع نواحيه، ويهتمون بالجانب الإنساني قدر اهتمامهم بالجانب غير الإنساني أو الطبيعي، ويهتمون بدراسة التاريخ اهتمامهم بدراسة الجغرافية وذلك ما هو حادث الآن. وبذلك لا يمكن الفصل بين تاريخ المنطقة وجغرافيتها، وقد كان ذلك مفهوم العرب.
وفى الدراسة الإقليمية لم يكن العرب لهم تخصصهم الموضوعي أو لم يظهر لديهم ولكن ألموا بالجغرافية وبالأخص النواحي الاقتصادية، وكان أهم النواحي التي يوجهون إليها عنايتهم هي شئون الري، وذلك لإيمانهم بأن الماء يلعب الدور الأول في الاقتصاد وقد كانت البلاد الإسلامية توجد في المناطق الجافة التي تقل بها موارد المياه، ولذلك اهتم العرب بالماء والري، فنجد المقدسى عند الكلام عن بلاد فارس يذكر أن شرقها لا توجد به أنهار ذا أهمية ولهذا كان من الضروري أن يجمع ماء المطر والمياه الجوفية حتى لا تضيع منها قطرة واحدة.
ونجد الهمدانى يصف طرق الري في الجزيرة العربية فيقول: " أن المياه تجمع في البرك وتحاط بالحجارة ( وهى تسمى الخبرة – هي أرض مستوية تحاط بالأحجار حتى تحتفظ بالماء ) ، كذلك نجد أن هؤلاء الكتاب العرب يهتمون بتوزيع الغلات الزراعية ، ويذكرون الغلات التي تنمو في الإقليم وأهميتها وكان من أكثر الناس اهتمام بذلك، المقريزى في خططه فهو يعطى صورة جيدة لأحوال المياه في مصر في عصره ، وقد كان الري الشائع هو الري الحوضى، وقد كان بين الحياض جسور وقد قسمهم الكاتب ( المقريزى ) إلى قسمين:
1- جسور سلطانية: وهى عامة النفع لحفظ النيل على البلاد كافة إلى حين يستغنى عنها، ويستخرج برسم عملها مال بأيدي العاملين في الديوان، ويصرف عليها والحكومة مسئولة عنها لأنها نفع عام، وحدث في أيام المقريزى أن أخذت الدولة في جبى الأموال الكثيرة بحجة حماية هذه الجسور ولكنه يقول: " ثم لا تصرف منها شئ البتة بل ترفعها إلى السلطان ويفرق الكثير منها بيد الأعوان، ويسخر أهل البلاد في عمل الجسور فيجئ الخلل " وهى نظرة فاحصة من المقريزى للوضع الكائن.
2-الجسور البلدية: وهى عنده التي يختص نفعها في جهة دون أخرى والفلاحون وأهل المنطقة هم المسئولون عنها ونفقتها عليهم وليس على الحكومة ولكن على الإدارة المحلية، وبعد ذلك يقلل عنهم الخراج، وبذلك يكون مرد الصرف عليها إلى الخزانة العامة أي هي التي تمول في النهاية عمل الجسور البلدية.



الجغرافية الاقتصادية عند العرب
الزراعة في مصر على عهد المقريزى كانت مقصورة على شريط ضيق من الأرض على طول النيل والترع الخارجة منه، والدلتا في تلك الأيام لم تكن قد نضجت كلها ولكن كانت الزراعة بها على ضفاف فروع النيل في الدلتا التي توجد الآن والتي اندثرت، ويقول المقريزى: " النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع يتفرق الماء فيها يميناً وشمالاً إلى البلاد التي تبعد عنه وأهم الخلجان وأكثرها يوجد في الوجه البحري، أما الوجه القبلي فهو قليل ".
والزراعة كانت تتوقف على مياه الفيضان حيث الزراعة قائمة على الري الحوضى حيث لا سدود فإذا كان الفيضان مستوى نمت الزراعة وإذا قل قلت الزراعة، وإذا زاد الفيضان أو قل فإن الأمرين لا يأتي منهما سوى الدمار والخراب والتلف لممتلكات الإنسان في المناطق التي تتعرض لهما. ونجد المقريزى لم يتكلم عن الري والزراعة فقط ولكن يتحدث عن الدورة الزراعية والغلات التي تتعاقب فيها، وكمية التقاوي اللازمة لكل فدان ومحصول الفدان من كل غلة.
ومما يسترعى النظر في كتابات المقريزى أن القطن كان يزرع في مصر في أيامه ولكنه يقول أنه يزرع في مساحات قليلة ولم يكن محمد على أول من أدخل القطن إلى مصر. ويُذكر أن القصب أكثر انتشاراً منه وذلك يوضح قلة مساحة القطن. نجد أنه يتنبأ بأن هذه الغلات من غلات الصناعة حيث أنه في تلك الفترة لم تقم صناعة في مصر. ولذلك يقال أن القصب يجب أن يصنع منه السكر حيث أن الصناعة عليه لم تكن لإنتاج السكر ولكن لصناعة العسل الأسود.
كما اهتموا الجغرافيين العرب بالثروة المعدنية إلى جانب اهتمامهم بالموارد الزراعية، فيذكرون المعادن التي في الأرض العربية وأين توجد تلك المعادن وأنواعها، وقيمتها وكمية المستخرج منها والجهة المصدرة إليها. ولا يخلو كتاب عربي من الكتابة عن الثروة المعدنية، ومفهومهم عن المعادن لا يختلف عن المفهوم المعروف الآن. بينما في حديثهم عن الجغرافية الاقتصادية لا يغفلون جغرافية الصناعة، ويفصلون في كتابة جغرافية الصناعة وليس الكتابة في جغرافية الموارد الأخرى.
ونجدهم قد تناولوا الصناعة بشئ من التفصيل، وفى بعض الأحيان في الكتب العربية يتناولون المراحل التي مرت فيها الصناعة، أي لا يذكرون مناطق الصناعة ولكن يذكرون مراحلها كذلك، ونجدهم يعددون المراكز الصناعية الكبرى في العالم الإسلامي، وبذلك يحددون المراكز الكبرى في كل قطر من أقطاره مثل دمياط في مصر فبعد الكلام عن موقعها وتاريخها يذكر أهم ما بها من صناعات.
وتهتم الجغرافيا الاقتصادية العربية بذكر التبادل التجاري بين أقطار العالم الإسلامي وغيرها من الأقطار الأخرى غير الإسلامية، وتذكر صادرات الدول إلى بعضها وهل هي صادرات من الخام أو مصنعة، وكذلك يتحدثون عن الواردات. و لم تكن الدراسات العربية دراسات رقمية والجغرافيون العرب معذورون في ذلك حيث أنه لم تكن توجد أرقام إحصائية في ذلك الوقت عن موارد الإنتاج والصادرات والواردات.
ثم نجد الجغرافيين العرب لا يكتفون بالوارد والصادر فيما يختص بالتجارة ولكن يدرسون مراكز التجارة ومواني تصديرها، وحركة التجارة في هذه المواني، وفى نفس الوقت يدرسون عوامل الربط بين هذه المراكز أي يعنون بالطرق ومراحلها أي جغرافية النقل والمواصلات، كما لم يكتفون الجغرافيين العرب في الجغرافية الاقتصادية بالجانب الوصفي ولكن يعمدون إلى الجانب التحليلي وظهر ذلك بوضوح في مقدمة ابن خلدون، فهو لم يتناوله الإنتاج الاقتصادي تناول وصفى ولكن يحللها إلى أسبابها، ورغم أن منهج الجغرافية الاقتصادية العربية ليس كما هي الآن ولكن كان بها مادة غزيرة، وإذا طوعناها إلى المنهج الحديث لخرجنا بمادة وافية عن اقتصاديات العالم الإسلامي. وكانت الجغرافية الاقتصادية تتناول موضوع أخرى هو دراسة الأمصار ( المصر أي المدينة).
قسم العرب العالم إلى الحضر والمضر. والحضر هم المتوطنون المستقرون ، والمضر هم سكان البادية. و ينقسم الحضر إلى سكان الريف وسكان المدن، وقد قسموا الحضر إلى فئات ومنها: المصر وهى عاصمة الدولة أو الإقليم، وبعد ذلك القصبات وهى عواصم الأقاليم في الدولة، ثم المدن الإقليمية أو الحواضر، ثم الضواحي أو الأحواز ثم أخيراً القرى، وهذه هي أقسام الحضر عند العرب. بينما تختلف المدن عن القرى في نظر العرب في أن كل مدينة فيها منبر( وهو الوظيفة الدينية المعين فيها شخص ديني من قبل السلطات يشرف على النواحي الدينية وليس المنبر الذي في المسجد ).
وقد ركزوا بصفة خاصة على مواضع المدن وحاولوا أن تفسير هذا الموقع وقد اعتنوا بصفة خاصة بموقع مكة، وتفسير ما جاء في القرآن من قوله تعالي:" ربى إني أسكنتُ من ذُريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي أليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " وقد أسرفوا في تحليل الموقع، و لم يكتفوا بالموقع الطبيعي ولكن كذلك اهتموا بالعلاقات المكانية مع الجيران، وهل هي علاقات تقوى من أهمية الموقع أم تقلل منه.
ونجد العرب يقارنون موقع المدن ببعضها البعض أي أن لهم نظرة شمولية، ونجد في كتابات العرب بعض الأشياء أقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع ومنهم المقدس والذي يقول عن القدس : " إن بيت المقدس يقع في سهل يحشر فيه الناس يوم القيامة ". وذكروا في كتاباتهم فضائل المدن ووجدوا لكل مدينة بعض الفضائل، وفي بعض الكتب عن المدن سبق اسم المدينة تلك الفضائل التي تشملها مثل كتاب فضائل مكة، وفضائل المدينة وغيريهما.
من النواحي الأخرى التي عنى بها العرب في دراسة المدن موارد الماء في هذه المدن وهى التي يتوقف عليها نمو المدينة، فنجد الإصطخري عند الكلام عن سمرقند قال: " أنه لم يرى خان في الشارع إلا ورتبت فيه المياه المثلجة، ولها ماء جارى يدخل فيها في نهر من رصاص، وهو نهر قد بنيت له مسناة عالية من حجارة يجرى عليها الماء ووجه النهر رصاص كله ".


],v hguvf tn j',v ugl












توقيع :

حسابي على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك

https://www.facebook.com/profile.php?id=100022255245260

على تويتر

https://twitter.com/Dr_Mokhtar1981

عرض البوم صور مؤسس المنتدى   رد مع اقتباس
قديم 21-04-2010, 08:40 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
 
الصورة الرمزية مؤسس المنتدى

البيانات
التسجيل: Dec 2006
العضوية: 7
المشاركات: 7,867 [+]
بمعدل : 1.84 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 4181
نقاط التقييم: 12599
مؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond reputeمؤسس المنتدى has a reputation beyond repute


الإتصالات
الحالة:
مؤسس المنتدى غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

البيئة وآثارها عند العرب:
إن الجغرافيين العرب وجهوا اهتمامهم أيضاً بدراسة البيئة والآثار التي تترتب على اختلاف البيئات. ففي كتاب الحيوان نجد أن الجاحظ يحاول أن يربط بين الحيوان وبيئته ولاشك أن هذا التفكير متقدم جداً إذا أخذنا في الاعتبار أنه يرجع إلى القرن الرابع الهجري. ونجد البيروني مثلاً في كتابه عن الهند يلاحظ ظاهرة هامة وهى أن الهنود لا يأكلون لحم البقر وهو لا يذكر هذا الأمر لحقيقة مسلم بها بل حاول أن يفسر لماذا لا يأكلون لحم البقر بالذات، ويرجع ذلك إلى أسباب اقتصادية.
وحينما نظر العرب إلى الإنسان كجزء من بيئته لا يفصلون بين هذا الإنسان والبيئة ويربطون الإنسان بالكون كله ويرون أن الكواكب والنجوم تؤثر تأثيراً كبيراً في حياة الإنسان. وكثيرين من الجغرافيين العرب خرجوا على هذا النسق الذي شاع في ذلك الوقت ووجدوا أن الإنسان لا يرتبط بالبيئة الطبيعية وحدها وخاصة ما يتصل فيها بمظاهر السطح وموارد الماء ورأوا أنها العوامل الأساسية المحددة لعلاقة الإنسان ببيئته.
ولهذا نجد كاتباً مثل " المسعودى " الذي يعد رائداً من رواد الجغرافية البشرية يقول أن قوى الأرض ( الطبيعة ) تختلف في تأثيرها على الإنسان لثلاثة أسباب هي :
1- كمية المياه التي تحتويها الأرض.
2- كمية الأشجار.
3- مقدار ارتفاع الأرض وانخفاضها.
ولكن في تفسيره لأثر هذه العوامل الثلاثة، نجد تفسيره يكتنفه شئ من الغموض ولا يوضح الحقائق كما يجب أن تتضح فنجده مثلاً يربط بين كمية الماء المتوفر والناس السمان فالأرض التي فيها مياه كثيرة ترطب الأبدان، والأرض القليلة المياه تجفف الأبدان. وأما عن الأشجار فيرى أن الأرض التي تكثر فيها الأشجار تقوم هذه الأشجار الكثيفة مقام الساتر الذي يحمى الأرض من السخونة ، أما الأرض المكشوفة قليلة الأشجار فحالها على عكس الأماكن كثيرة الأشجار. وعندما نظر إلي اختلاف الأرض من ناحية الارتفاع والانخفاض رأي أن الأرض العالية منخفضة الحرارة وتتميز بالبرودة، أما الأرض المنخفضة فهي شديدة الحرارة ورطبة.
والمسعودي أيضاً حينما يحاول أن يفسر العلاقة بين المدينة وأحوزها، أي العلاقة بين المدينة والمنطقة التي قامت فيها نجد أنه يرجع قيام المدن إلى أربعة أسباب هي:
1- النواحي: وهو ما يطلق عليه في الوقت الحاضر (الموقع).
2- الارتفاع والانخفاض ( طبوغرافية المدينة ).
3- تجاور الجبال والبحار.
4- طبيعة تربة الأرض.
ولا يترك المسعودي هذه القواعد مجردة وإنما يحاول أن يفسر كل عامل من هذه العوامل وأن يضرب الأمثلة التي توضح هذا العامل والدور الذي يؤديه في جغرافية المدينة فيقول: " أن ارتفاع المكان يجعل المدينة أبرد والعكس صحيح، أن جو المدينة يختلف بالاختلاف في موقعها من ناحية الجبال. كذلك الموقع بالنسبة للبحر له أهمية وخاصة إذا كانت المدينة تقع بحيث تهب عليها الرياح الدائمة من البحر، وذلك بعكس أن موقعها تهب عليه الرياح من اليابس إلى البحر"، ولطبيعة التربة أثرها في رأى المسعودي، فالمدينة التي تقع في أرض تربتها صالحة للزراعة وخصبة تختلف عن مدينة تقع في منطقة صحراوية أو منطقة صخرية.
وكذلك يعتقد الجغرافيين العرب في أثر المناخ على الإنسان وقد شاعت هذه الفكرة في الغرب بعد ذلك بعدة قرون، فنجد ابن رسته في كتابه " الأعلاق النفيسة " يذكر أن سكان العروض الوسطي قد اعتدل مزاجهم ولطفت بنيتهم وفتحت بشرتهم لأن الشمس لا تكون قريبة منهم، ولا بعيدة للغاية عنهم، وإنما هي في موقع وسط وهذا هو سر الاعتدال.
ونجد أن المسعودي حينما يتناول أهل الربع الشمالي من الأرض يقول " أنهم هم الذين بعدت الشمس عن سمتهم الو اغلين في الشمال، كالصقالبة، والفرنجة وما جاورهم من الأمم فإن سلطان الشمس ضعيف عندهم لبعدهم عنها فغلب على نواحي تلك المناطق البرد والرطوبة وتوافرت الثلوج عندهم والجليد"، نتيجة لذلك يرى المسعودي " أنه قل مزاجهم فعظمت أجسامهم وجفت طباعهم ووعرت أخلاقهم وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم وابيضت ألوانهم حتى أفرطت فخرجت من البياض إلى الزرقة، ورقت جلودهم وازرقت عيونهم وطالت شعورهم وصارت صهباً ولم تكن في مذاهبهم متانة وذلك لطباع البرد وعدم الحرارة ".
ولا يكتفي المسعودي بالربط بين مظاهر الإنسان الجسمانية والخلقية والبيئة التي يعيش فيها بل يذهب إلى أبعد من ذلك، وأن الإنسان ككائن له تكوينه العصبي الخاص فلديه قدرة على أن يتحمل من الظروف ما لا يتحمله غيره من أصناف الحيوان ولهذا استطاع أن يعيش في أي بيئة يجد نفسه فيها، وهو في هذه البيئة التي يتأقلم فيها يكتسب صفات جديدة لم تكن فيه من قبل وهذا ما يقوله علماء السلالات في الوقت الحاضر.
ولا يقتصر المسعودي على ذلك أي على الإنسان، وإنما يتعداه إلى الكائنات الحية الأخرى، ونكاد نلمح في كلامه ما قد يشير إلى نظرية التطور التي لم تظهر إلا في عهد مارك في القرن الثامن عشر، فيرى أن بعض النباتات حينما تنتقل إلى بيئة أخرى تتغير صفاتها وتصبح شيئاً جديداً.
وابن خلدون في الواقع هو أكثر الكتاب العرب اهتماماً بالتاريخ وتأثيره على الصفات البدنية والعقلية للبشر، والذي يقرأ مقدمة ابن خلدون يجد أنه يحاول أن يفسر التاريخ على أسس جغرافية وأيكولوجية، وكانت هذه خطوة متقدمة في الواقع أن يرجع بالظاهرات الاجتماعية كلها إلى البيئة الطبيعية، ويفسر تصرفات الناس ومجرى التاريخ على أساس من نوعية هؤلاء الناس.
ويلاحظ من هذا كله أن الجغرافيين العرب كانوا فيما يبدو من أنصار الحتمية الجغرافية لأنهم يرجعون كل الظاهرات البشرية إلى العوامل الجغرافية، ونحن نعرف أنه كيف عادت هذه النظرية إلى الظهور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان أسلوب العرب في البحث العلمي واضح، من هذا أن العرب قد اهتموا بالجغرافية في جميع الفروع الجغرافية وكانت لهم اتجاهات وهى سليمة في كثير من الأحوال ونجحوا في تفسير بعض الظاهرات. وكان للعرب أسلوبهم في البحث العلمي، وكان أبسط الأساليب عندهم هو أسلوب المشاهدة والملاحظة ومازال هذا الأسلوب منتشر حتى الآن ، ولكن العرب لم يكتفوا بالمشاهدة والملاحظة وإنما عززوا ذلك بالتطبيق العملي. ومن ثم كانت لهم مجالات في إنتاج الأجهزة العلمية كالأصطرلاب وبعض الأجهزة الأخرى.
ونجد أن فاسكودجاما وهو في طريقه إلى الهند في رحلته المشهورة توقف على ساحل إفريقية واصطحب معه أحد العلماء الذي أظهر لفاسكودجاما بعض الأجهزة العلمية المتقدمة في ذلك الوقت عن الأجهزة الأوربية. واعتمد العرب في دراستهم الجغرافية على العمل الميداني ، ولهذا نجد أن معظم الجغرافيين العرب كانوا يضيفون إلى جغرافيتهم ما شاهدوه في أسبانيا، وكان معظم الرحالة الذين طافوا سنوات طويلة في الديار الإسلامية بل منهم من تخطاها إلى خارج بلاد الإسلام. ونجد أن المقدسى ينقد في مقدمة كتابه الجغرافيين الذين لم يهتموا بالرحلة والأسفار مكتفيين بالسماع، مثل هؤلاء الناس يرى أنهم لا يصلحون أن يكونوا جغرافيون. ثم يشرح منهجه فيقول أنه تجول وتغرب، ويتحدث عن المتاعب الكثيرة التي لاقها في الدراسات الميدانية حتى ألف كتابه.
الخرائط العربية في الجغرافية العربية:
أدرك العرب بفطرتهم السليمة أهمية الخريطة كوسيلة لتوضيح المعلومات الجغرافية، وكانت ترسم بحيث يكون الجنوب في أعلاها والشمال إلى أسفل والشرق إلى اليسار والغرب إلى اليمين، أي بعكس اتجاهات الخريطة الحالية، ربما كان السبب في ذلك أن المدينتين المقدستين مكة والمدينة كانتا في جنوب العالم المعروف ولهذا خيل لهم أنهما في أعلى الخريطة.
ارتبطت جغرافية الجغرافيون الإقليميون العرب برسم الخرائط ولم يستعملوا مصطلح الخريطة وإنما استعملوا ألفاظاً أخرى، مثل لوح الرسم، أو الصورة. أما مصطلح الخريطة لم يعرف إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين. كما اختلفت الخرائط التي ارتبطت بالجغرافية الإقليمية العربية عن الخرائط الأولى التي نشأت مع الفكر الجغرافي العربي، هذه الخرائط قد تأثرت كثيراً بالفكر الجغرافي الإغريقي والروماني، ولهذا كانت أكثر دقة في تحديد خطوط الطول والعرض. وقد حافظت هذه الخرائط على شكل السواحل والمساحات النسبية إلى حد كبير، وكان هم الخرائط العربية في المقام الأول هو توضيح المواقع الجغرافية بالرسم، أما العلاقة النسبية والمسافة بين هذه المواقع فكانت مهملة إلى حد كبير.
وكذلك توجد هنالك فرق كبير بين الخرائط العربية والأوربية، حيث أن العرب لم يهتموا بالمسافات والمساحات النسبية، أما في الخرائط الأوربية فقد كان هنالك اهتمام بالمسافات والمساحات النسبية ومن ذلك اهتمامهم بطول السواحل ونسبها إلي اليابس الذي تمتد أمامه.
الأطالس العربية:
أول أطلس عربي وضعه البلخى [ نسبة إلى بلدة بلخ ]، وقد ألحقه بكتابه " صور الأقاليم " هذا الأطلس لم يصل إلينا وكل ما وصل إلينا هي بعض المقولات عنه. وقد كان الكتاب العرب – كما سبق القول – يتميزون بالأمانة في النقل عن أسلافهم. وبذلك كان البلخى أول من وضع مبدأ مهما من مبادئ الجغرافية الإقليمية، ألا وهو " أن الخريطة هامة في تلك الجغرافية " وكانت خرائطه أداة للدراسة الإقليمية السليمة، وخرائط " أطلس الإسلام " تلك وإن ضاعت إلا أنها كانت أساس خرائط لاحقيه مثل الاصطخري، وابن حوقل الذين اعتمدوا على خرائطه.
وبعد البلخى بدأ الكتاب يدركون أهمية الخريطة، ويذكر الاصطخري عند تقديمه كتابه " المسالك والممالك " أن المدن والأنهار قد توجد في الأخبار ولا يتعذر معرفتها إن أراد ذلك، ولهذا فالخريطة عنده هي أهم ولهذا نجده ينص على " أن جميع الأرض الموجودة في البحر المحيط الذي لا يسلك وموقعها من هذا البحر، فإذا نظر إليها ناظر عرف مكان الإقليم كما ذكرنا بعضه ببعض ومقدار كل إقليم من الأرض "، وواضح من كلامه مفهوم الخريطة عنده.
حزي ابن حوقل حذو الإصطخري ولذلك نجده لا يتكلم عن إقليم إلا ويضع في صدره خريطة، ويشير في كتابه إلى " إني قد جعلت لكل قطعة أفردتها تصوير يحكى موضع ذلك الإقليم " ونجد أن خرائط ابن حوقل أقرب إلى الواقع من خرائط الإصطخري، ولم يصل إلينا من مصورات البلخى إلا ثلاث مصورات هي:
1- صور بلاد العرب.
2- صورة الجزيرة [ الجزء الشمالي من العراق ].
3- صورة الأرض.
أما مصورات الإصطخري وابن حوقل فقد حُفظت جميعاً.
وكان من ثمرات الجهود التي بذلتها مدرسة بغداد في عهد الخليفة المأمون العباسي، عمل نوع من الخرائط يسميها المسعودى باسم " الصورة المأمونية " وميزة تلك الخرائط أنها ليست من عمل شخص ولكن اجتمع لعملها عدد من العلماء، وكانت أفضل مما سبقها. كما اهتم المقدسى كذلك بالخريطة كثيراً. ونجد أنه حينما قسم العالم الإسلامي إلى 14 قسم أفرد لكل منهم خريطة قائمة بذاتها. ولأول مرة في الخرائط العربية نجد بها ميزة جديدة عن سابقاتها ألا وهى وجود مصطلحات لفهم الخريطة ( أي مفتاح )، وكان ذلك كما يقول هو " ليقرب الوصف إلى الأفهام ويقف عليها الخاص والعام " ولأول مرة في الخرائط العربية تستخدم الألوان – في خرائط المقدسى – لتمثيل المظاهر المختلفة ورسم الطرق بالحمرة (اللون الأحمر)، والرمال الذهبية بالصفرة، والأنهار بالزرقة، والجبال المشهورة بالغبرة، والبحار بالخضرة. وقد كان في خرائطه شئ من الجمال.
على أي حال فإن كل مصورات الرواد الثلاثة في الجغرافية الإقليمية، كانت تجمع بينها عدد من الصفات المشتركة وهى:
1- إظهار الإقليم في شكل هندسي، دون أن يكون له صلة بالشكل الحقيقي للإقليم.
2- أن معالم السطح تُرسم في خطوط مستقيمة أو دوائر أو أقواس مع اختلاف في الدقة بينهم.
3- لقد كان عدم تماثل بين مصورات الأقاليم المختلفة، حيث أنه لو جمعت الأقاليم مع بعضها لا تكونت خريطة دقيقة للعالم. وكانت كل خريطة من هذه الخرائط مستقلة عن غيرها.
وعلى أي حال فقد تلاشى الإدريسي تلك العيوب في الخرائط. وقد كان رساماً دقيقاً جيداً للخرائط. وقد وضع خريطة للعالم في عصره كانت أدق الخرائط في ذلك العصر. وتتميز خرائط الإدريسي أن كلها تلتزم بمقياس رسم، وخطوط الطول والعرض، كما تلتزم بشكل الإقليم الحقيقي. وقد قسم الإدريسي خريطة العالم إلى 70 قسم، باعتبار أن أقاليم الأرض المعمورة 7 أقاليم، كل إقليم مقسم إلى 10 أقسام، وكل من السبعين قسم متساوي في مساحته مع غيره من الأقسام. ونجد أن خريطة الإدريسي تتميز بأنها ملونة ( كل ظاهرة بلون مختلف) ولكنه اختلف عن ألوان خريطة المقدسى، حيث جعل البحار باللون الأزرق، والأنهار بالأخضر، والجبال بألوان مختلفة متدرجة حسب ارتفاعها.
والعرب في الواقع وإن كانوا قد صنعوا كثيراً من الخرائط إلا أنهم لم يصلوا إلى مستوى مؤلفاتهم في الجغرافية، ولكن على أي حال كانت خرائطهم أكثر دقة من خرائط أوروبا المسيحية في عصورها المظلمة [ العصور الوسطى الأوربية ]؛ حيث أن الأساطير في ذلك العصر كانت تمثل الطابع الرئيسي في الخرائط الأوربية.
استمر العرب في مجالهم ومكانتهم العلمية في العصور الوسطي حتى وقعت معظم أراضيهم تحت الاحتلال الخارجي [ الحكم العثماني ] والدولة العثمانية دولة ليس لها حضارة سابقة، وهى ذات طابع حربي بدوى، ولم يكن عندهم ما يقدمونه لتطوير العلوم والثقافة العربية في البلاد التي فتحوها. وحدث في أثناء ذلك كله أن شهدت أوربا أمور جديدة وهو الانقلاب الصناعي، ونهضة أوربا الصناعية الواسعة، وحدث أيضاً أن اُكتُشفت أراضى جديدة في نصف الكرة الغربي، واستعمرت أوربا هذه المناطق، وبذلك زادت الثروة الأوربية بشكل واضح ملموس، وزيادة الثروة والرخاء الاقتصادي يتبعهما التقدم والحضارة.
وهذا التطور المادي تبعه تطور علمي، وأخذ المركز الحضاري ينتقل إلى غرب أوربا من بلاد العرب، وأصبح غرب أوربا المركز الرئيسي للعلوم الحديثة والتقدم الحضاري، وقد كانت الجغرافية من تلك العلوم وخاصة أنهم كانوا في أمس الحاجة إليها. فالكشوف الجغرافية كانت تتطلب جمع المعلومات والبيانات عن الجهات المكتشفة وهى بيانات كانت أكثر دقة وتنوع لأنها منقولة بالمشاهدة والمعاينة، وبدايةمن القرن الثامن عشر اهتمت أوروبا بالعلوم أكثر من العرب؛ حيث كان العرب قد وقعوا تحت حكم أجنبي.
إن طرق الأعمال المساحية لم تعد كما كانت قديمة، ولكن ظهرت آلات دقيقة وبذلك كانت المعلومات ذات دقة كبيرة. وبذلك ظهرت خرائط دقيقة مثل خرائط مركيتور ومساقطه، وكانت دقتها في أنها تعطى الاتجاهات الصحيحة. وبذلك ظهر في أوروبا بأقطارها المختلفة من اهتموا بالجغرافية وكان أولهم: ألكسندر فون همبولت Alexander Von Humboldtوالذي ولد في سنة 1769 [ في الربع الأخير من القرن الثامن عشر ] وكان مولده في برلين لأسرة نبيلة. وتلقى تعليم جامعي طيب، وكان تعليمه الأساسي في الجيولوجية وبصفة خاصة جيولوجية المعادن، ولذلك كانت اهتماماته الأولى جيولوجية، أي دراسة أشكال الصخور والنباتات المطمورة فيها وانحراف الصخور، ولكن قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره، استقر عزمه على أن يصبح جغرافي، وطبعاً لم يتجه إليها من تلقاء نفسه ولكن كانت الصدفة، وقد التقى بأستاذ مهتم بالجغرافية هو فورستر. ونتيجة لهذا اللقاء تحول همبولت من مفتش مناجم إلى جغرافي. وقد كان فورستر Forster من الأوائل جغرافيين خاصة وأنه طاف حول العالم وكتب كتاب عن هذه الرحلة، ولم يكن بالوصف فقط ولكن الربط بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، وربما كان لهذا الكتاب نفسه تأثير طيب على همبولت وجعله يتجه إلى دراسة الجغرافية.
دور الأوربيون في تطور علم الجغرافيا:
وقد أثر في همبولت كذلك عالم من علماء النبات عندما التقى به هو العالم إيميه Aime Bonpland. وقد جمع بين الاثنين ما كان من الرغبة عند نابليون للنهوض بالجغرافية ، وقد ربط بينهم العمل. وقد فكر همبولت سنة 1798 هو وإيميه أن يصحبا الحملة الفرنسية على مصر، وقد كان بتلك الحملة مجمع علمي يدرس مصر من كل نواحيها، وقد كان عندهم الرغبة في أن يأتيا إلى مصر لمقابلة نابليون للاشتراك في الحملة العلمية، وقد وصل الاثنين إلى مرسيليا في طريقهم إلى مصر. وعند وصولهم إلى مرسيليا اهتز موقف نابليون في مصر وتحول حال الحملة إلى السوء، ولذلك غير الاثنين اتجاههما إلى مدريد وبقيا فيها ثلاث سنوات.
وقد ترك كل منهم الأثر في البلاط الملكي الأسباني، وكانت نتيجة هذا الأثر الطيب أن حصل همبولت من ملك أسبانيا أن يتنقل في مستعمرات أسبانيا، وبالأخص في العالم الجديد، وقد صرح له الملك بالتنقل فيه بحرية، مثل هذا التصريح أفرح همبولت حيث أنه فكر تفكيراً جديداً؛ حيث نجد أن من سبقه كان هدفهم هو الدوران حول الأرض، وبذلك فلم يكن عنده أدنى عزم أن يبذل في معرفة مجاهل القارات لاكتشاف المناطق الداخلية غير المعروفة، وكان يريد أن يعرف أحوال هذه القارات الطبيعية والبشرية، أي يريد أن يعرف أعماق القارات.
وبعد أن بقى ثلاث سنوات في أسبانيا قام برحلة إلى جزر كناري هو وزميله ووصلا إلى كركاس ( عاصمة فنزويلا ) ومنها ارتاد منطقة نهر الأورينكو ومنطقة اليانوس. ثم اتجه إلى بوجوتا ( عاصمة كولومبيا ) واكتشف منابع الأمازون ووصل إلى كيتو، وعبر سهول المكسيك الساحلية وهضابها العالية. وعندما كان في بيرو درس المحيط المجاور وبخاصة التيار البحري المار بذلك الساحل، وقد أصبح ذلك التيار يعرف باسم همبولت وهو تيار بارد، ثم درس تكوينات الجوانو Guano ( وهو بقايا أسمدة الطيور [ سماد الجوانو ] في صحراء شيلى ) ثم رجع من أمريكا الجنوبية وزار إيطاليا وقد استفاد من وجوده فيها في دراسة بركان فيزوف خاصة وأنه جيولوجي سابق.
وبعد إيطاليا عاد إلى باريس وقضى ما بقى من حياته يدرس المادة الخام الكبيرة التي جمعها في رحلته، وبالأخص من أمريكا الجنوبية، وقد بقى في باريس 19 سنة يدرس هذه المادة العلمية الخام. وقد أصدر هذه المادة العلمية كلها في 29 مجلداً، وزودها بأكثر من 1400 خريطة، ونجد أنه في الواقع لم يكن همبولت في دراسته للجغرافيا متخصصاً تخصصاً دقيقاً كالذي ساد فيما بعد، ولكنه أسهم في كل النواحي الجغرافية [ ونجد أنه أول من ابتكر خطوط الحرارة المتساوية ] وهو أول من درس الأعاصير المحلية في مناطق العصور الوسطى في أوربا، وبحكم تخصصه الأول كانت دراسته عن البراكين وعن الظاهرات البركانية وما يتصل بها من زلازل وغيرها من العمليات الباطنية كانت دراساته هي أوفى الدراسات في وقتها في هذا الموضوع.
ونجد أنه قد استحدث فرع جديد في الجغرافية لم يكن موجود من قبل هو الجغرافية الحيوية. وفى نفس الوقت نجد أن همبولت وإن مرت عليه أكثر من 200 سنة إلا أن له كثير من البصمات والفضل على الجغرافية حتى الآن. وقد ترك همبولت عدد من الكتب ، كان من أهمها كتاب يحمل اسم غريب هو كتاب cosmos [ الكون ] وقد صدر هذا الكتاب في 5 مجلدات ، وغطى همبولت فيه جميع الجوانب الطبيعية في الجغرافية ، وفى هذا الكتاب نجد أنه كان لا يزال متأثراً بآراء الفلاسفة اليونان. ومنتلك الآراء أن الكون يمثل وحدة متكاملة، وأن هناك ترابط بين أجزاء الكون كله. وحاول في هذا الكتاب أن يفسر مراحل التاريخ وكل نواحي التقدم العلمي، أو غيره بصلات تربطها بالعالم ككل.
ومع أن همبولت يمكن اعتباره أحد الجغرافيين الطبيعيين إلا أنه لم يغفل الجغرافية الأصولية، وكتب الكثير عن جغرافية المكسيك وكوبا، والمناطق المحيطة بها. ومن الغريب أن المنهج الذي وضعه همبولت للجغرافية الإقليمية هو الذي لا تزال تتبعه حتى الآن. وكان يرى أيضاً أن عنصر الحرارة هو أهم عناصر المناخ في نظره ذلك أن هذا العنصر هو الذي أدى إلى تغير أنماط النبات على سطح الأرض. ولهذا نجد أنه يحاول أن يقسم العالم إلى أقاليم نباتية على أساس الحرارة في المقام الأول ، والتي يتحكم فيها الموقع والتضاريس ونظام الرياح والتيارات البحرية، وبذلك يمكن اعتباره من مؤسس علم المناخ.
التطور الذي شهدته العلوم الطبيعية في ذلك العصر ساعد الجغرافية؛ مثل عامل الجاذبية كان من العوامل التي ساعدت همبولت في دراسة الجغرافية، ومع أنه لم ينجح في ربط الكون في إطار واحد مميز، فإن تأثيره المباشر على النظرية الجغرافية العامة لم يكن عظيماً. ونجد أن معاصرة كارل ريتر كان أوفر منه حظاً في البداية ، فقد حدد مجال الجغرافية بسطح الأرض والظاهرات المتصلة بها بما في ذلك الإنسان .
وعلى أي حال نجد أن همبولت كان نقطة البداية في الدراسة الجغرافية القائمة على معرفة السبب، حقيقة أن آرائه لم تكن كلها آراء صحيحة ولكن كان له فضل السبق في وضع الدراسة الصحيحة في الجغرافية. وبذلك نجده يمثل المدخل إلى الجغرافية الحديثة بعد أن تطورت في أوربا والتي وصلتنا في أساليبها الحديثة الآن.
وجدنا فيما مضى أن همبولت حاول إخراج الفكر الجغرافي من الفكر النظري إلى فكر يحاول أن يجد علاقة بين السبب والنتيجة. وقد عاصر همبولت – كما سبق القول – عالم ألماني آخر هو كارل ريتر Karl Ritterولكنه اختلف عنه، حيث أن همبولت ولد في أسرة غنية، أما ريتر فكان فقيراً وتوفى والده وهو صغير في سن السادسة من عمره. وقد تكفل بتعليم ريتر أحد المحسنين وأدخله الجامعة، وجعله مدرس لأبنائه، ونجد أن ريتر في تعليمه الجامعي هو الآخر لم يدرس الجغرافية، ولكنه درس علوم المعادن والتاريخ والفيزياء والكيمياء. ومع هذا كله ومع اشتغاله فترة من الوقت مدرس لأبناء هولنج Hollweg – الذي أحسن إليه وعلمه – نجد أنه نشر في بداية القرن التاسع عشر كتاب ليس في تخصصه ولكنه كتاب في الجغرافية الإقليمية لأوربا. وهذا الكتاب هو الذي أثار الانتباه إلى ريتر ومذهبه. وفى هذا الكتاب حاول أن يجعل التاريخ والجغرافيا لا ينفصلان، أي لا يكون هنالك فصل بين التفاعل بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.
وبدأ ريتر يتجه إلى الجغرافيا وبدأ يفكر في وضع كتابه الكبير الأرض( Erdkunde ) أي علم الجغرافية، وقد تحول إلى الجغرافية وإن كان لا يظل متأثرا بالتاريخ، وقد ظل أستاذا للتاريخ في جامعة فرانكفورت من سنة 1804 إلى سنة 1820 ثم عدل عن أستاذية التاريخ إلى أستاذية الجغرافية، وقد كان أول جغرافي أو أستاذ للجغرافية في جامعة برلين، وإن ظل اهتمامه بالتاريخ مستمراًً.
وقد كان له فضل كبير في الجغرافية، وقد دَرَّس الجغرافية في الكلية الحربية في برلين؛ حيث أن الطلاب في الكلية الحربية كانوا من أبناء النبلاء، وقد كان ريتر يحبب إلى طلاب الكلية الجغرافية، وبذلك أصبحت الجغرافية محبوبة من عدد كبير من طلاب الكلية، والذين أصبح عدد كبير منهم من القادة الألمان فيما بعد. ومن أبرز من اهتم من القادة الألمان بالجغرافية متأثر بريتر Von Molthe، وقد كانت محاضرات ريتر في أول الأمر لا تجتذب عدد كبير من الطلاب ولكنه لسعة أفقه وبلاغته اجتذبت محاضراته عدد كبير من الطلاب. وقد كان له فضل في الدراسة الجغرافية في الجامعات الألمانية إلي جانب فضله في وضع أسس علم الجغرافية في جامعة برلين.
وأثناء وجود ريتر في برلين توطدت صداقة بهمبولت، وقد قابله لأول مرة في سنة 1806، وقد اشترك الرجلان معاً في تأسيس جمعية برلين الجغرافية في سنة 1833، وقبل أن يصبح ريتر أستاذاً في جامعة برلين بدأ في إعداد كتابه عن الجغرافية وصلتها بالطبيعة وتاريخ البشر، والكتاب من الكتب الضخمة. وقد توفى ريتر قبل أن يتمه ولم يظهر من الكتاب إلا 19 جزء، الأول كان عن قارة إفريقيا ونشر سنة 1822، أما الجزء التاسع عشر والأخير فقد نشر في سنة 1859، وهى السنة التي توفى فيها كل من ريتر وهمبولت، وفيها نشر دارون كتابة " أصل الأنواع " والثمان عشر جزء الأخرى كانت عن قارة آسيا. صدور الكتاب الأول أعطى فرصة لريتر أن يكون على صلة بالبلاط وقد رعاه البلاط، وقد خفف عنه البلاط أعباء التدريس، وقد أتاحوا له فرصة التأليف في الجغرافية وعدم التدريس مع أخذ أجره في مقابل عمله: وقد كان همبولت هو الذي أتاح له ذلك.
وقد كان همبولت في الأصل من أصحاب الجغرافية الطبيعية، أما ريتر فقد كان ميدانه هو الجغرافية البشرية، وقد كان كلاهما فذا في ميدانه. وكانت اهتماماتهم في الجغرافية مختلفة، فأما همبولت فكانت اهتماماته هي وضع نظريات لتفسير الظواهر الطبيعية، أما ريتر فكان اهتمامه هو نظرية السببية، وكان اهتمامه بالإنسان وإن لم يهمل الإطار الطبيعي، وكان يضعه في أول الأمر، وبعد ذلك يخضع الإنسان في هذا الإطار.
وقد ترك ريتر بصماته في الجغرافية الطبيعية والبشرية. وكان أول من وضع أسس الأقاليم الطبيعية لتحديد الأقاليم البشرية، واستخدم الظواهر الطبيعية الرئيسية في تقسيمه مثل الأنهار والتلال والجبال. وقد تناول ريتر جوانب حضارية في دراسة الأرض. وقد كتب فصل في التاريخ الجغرافي للشاي، وكتب فصل عن كيف استأنس الإنسان الحيوان والنبات، وبجانب الجوانب الطبيعية لا يغفل الجانب البشرى.
وكان لريتر وهمبولت فضل في الجغرافية الحديثة. ومنذ النصف الثاني من القرن 19 أخذت الجغرافية اتجاه علمي. وبدأت الجغرافية تتشعب إلي فروع وأخذ كل فرع يضع لنفسه الأسلوب الملائم الذي يساعده على النجاح في تأدية غرضه. وبدأت مناهج الجغرافية الطبيعية تختلف عن مناهج الجغرافية البشرية والجغرافية الإقليمية. وأخذت مناهج كل فرع تتضح وتأخذ صورة مميزة.
ونجد الجغرافية الطبيعية- وكانت نشأتها في ألمانيا- تأخذ أسلوب محاولة تفسير مظاهر السطح وتصنيف هذه المظاهر والربط بين المظاهر المتشابهة. وقد كانت الجغرافية قبل ذلك وصفية، ولكن همبولت اهتم بالتعليل. وبدأت هذه الأفكار تأخذ طريقها من ألمانيا إلى المدارس الأخرى في العالم. ويظهر في فرنسا من علماء الجغرافية الطبيعية بلاي فير [كلاي فير] Pllyfair ( وقد درس النظم النهرية دراسة كانت الأولى من نوعها ) ومنهم كذلك العالم جيمس هاتون J . Hutton17261797 الجيولوجي اسكتلندي. وكذلك العالم جون لكلير في نظريته باطن الأرض. و قام هاتون في سنة 1795 بعمل بحث بعنوان نظرية الأرض، ويدور رأيه في هذه النظرية علي عدم وجود بداية ولا نهاية لمظاهر الأرض، وكل هذه المظاهر عند هاتون هي بسبب عملية التعرية البطيئة للغاية. وبذلك يكون هاتون قد سبق ديفيز في الكلام عن نظرية دورة التعرية. ونجد بلايفير ( كلاي فير ) في سنة 1802 وكان يعمل في جامعة أدنبرة مع هاتون قد أصدر كتاب لتوضيح نظرية هاتون . وقد شرح في هذا الكتاب أفكار هاتون.
ونجد أن أعمال كل من هاتون وكلاي فير وهما اسكتلنديان هي التي توجهت " السير تشارلز لييل 1797 – 1875 Sir Charles Lyell، وكان لكتاب لييل الفضل في تخليص العلم الحديث من نظرية الخلق المأسوي للكرة الأرضية. وأن الظواهر الطبيعية في رأيه ليست بسبب عملية خلق مأسوي ولكن بسبب عملية ديناميكية بطيئة (الحركات الباطنية) وكان لييل من أشد المتحمسين إلى مبدأ التغير التدريجي البطء.
الجغرافية الطبيعية في المفهوم الحديث:
أنه بعد لييل Lyell كان هناك اندفاع إلى الدراسات الجيومورفولوجية وبدأ الاهتمام بهذا الجانب من الجغرافية الطبيعية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على السواء، وكان من كبار من أسهموا في هذا الاتجاه لويس أجاسيز L . Agassiz (1807 – 1873)، إذ نشر نتائج أبحاثه عن التجلد وهو أول من أطلق اسم Ice age أي العصر الجليدي. وتوالت الدراسات في ذلك الميدان حتى أن بدأ فردان ريختوفن F . Richthofen في دراسة إقليم البترول، واتسعت دراساته نتيجة لاتساع رحلاته وبخاصة في الشرق الأقصى، والولايات المتحدة الأمريكية، وقد درس الصين جيولوجياً وجيومورفولوجياً.
ولعل أهم إضافاته إلى الجغرافية الطبيعية هي نظريته عن تربة اللويس، وفى هذه النظرية يشير إلى أن هذه التربة قد تكونت نتيجة أصول هوائية. ومع أنه من أصحاب الجغرافية الطبيعية إلا أنه لم يلبث أن تحول إلى الجغرافية البشرية. وعلى نفس منواله سار أولبرخت بنك W . Penckفي تصنيفه لمظاهر سطح الأرض التي شرحها في كتابه المعروف مرفولوجية سطح الأرض.
وفى الولايات المتحدة تبنى الجيومورفولوجية وليم موريس ديفيز W. M . Davisوكان من ألمع الأسماء التي ظهرت في موضوع دراسة سطح الأرض، ولم تكن إضافاته مقصورة على الجيومورفولوجية بل ركز اهتمامه أيضاً علي الميترولوجية، حيث بدأ حياته بالعمل بالمرصد الميترلوجى في مدينة قرطبة. وكان أول كتاب ينشره هو الميترلوجية الأولية أو الابتدائية، وكان أهم ما أضافه إلى علم الجيومورفولوجية هي نظريته عن دورة التعرية. وتقوم هذه النظرية على أن المراحل المميزة يمكن التعرف عليها كإقليم تحول عن شكله الأصلي إلى أن أصبح سهل تحاتى Peneplain . وكثير من النقاد للنظرية أساءوا فهم اصطلاحات ديفيز وعباراته.
فهو أول من أشار إلى أن العوامل التكتونية والخارجية هي التي تتدخل في تحيد مسار دورة التعرية. وكذلك واجهت نظريته نواحي نقد أخرى منها أنه لم يوجه الاهتمام بالمناخ القديم الذي له أثر ملموس في تشكيل سطح الأرض. وعلى أي حال نجد أن الجيومورفولجيين لم يستطيعوا حتى الآن أن يحققوا لهم مكاناً مستقل في الجامعات. كما أن عدد منهم يعمل في أقسام الجيولوجية في بعض الجامعات والبعض الآخر في أقسام الجغرافية. وقد جذب تخصصهم عدد كبير من الباحثين في أول الأمر وإن اختلفوا في أهدافهم النهائية. وكان معظمهم في الجامعات الأوربية يعمل في أقسام الجغرافية، ولكن لم يلبثوا أن تحولوا إلى الجغرافية البشرية.
أما في الولايات المتحدة فإن جميع الجيومورفولجيين تقريباً ينضمون تحت لواء المظلة الجيولوجية سواءاً في دوائر المساحة أو في أقسام الجيولوجية في الجامعات، وبالرغم من أن الجيولوجيين قد استمدوا في أثناء المسح الجيولوجي المبكر فوائد عظيمة من الملاحظات الميدانية ذات الصفة الجيومورفولوجية فإن البعض منهم خاصة المحدثين يذكرون أهمية الأساليب الجيومورفولوجية، مما أدى إلى أن أصبح الجيومورفولجيين في مركز المدافع عن أنفسهم أمام غزو الجيولوجيا وأصبحوا يتمسحون بالانتماء إلى الجغرافية.
ويقول الكثيرون أنه لا يمكن للجغرافي أن يعمل بصورة فعالة ما لم يتسلح كجغرافي بالجغرافية الطبيعية، إذ أن الأساس في الجغرافية هو العلاقة بين الإنسان الأرض، ولاشك أن المعالم الفيزوغرافية الأساسية لها أثرها البالغ في استثمار الإنسان للأرض. بل إنها ضرورية حتى في دراسة المدن، فهي التي تساعد على توضيح الاختيار الأصلي للموضع وتساعد في رسم صوره وطرقه وقنواته وسككه الحديدية، ومن هنا كانت أهمية دراسة الجغرافية الطبيعية. أما سحر الجيومورفولوجية فيرجع إلى انعكاساتها في تغيرات سطح الأرض، وظهور تلك الانعكاسات يحتاج إلى عدة آلاف من السنين بل الملايين. ولهذا شكي البعض من أن ديفيز كان يحدق في البلورة السحرية مستشفاً الماضي، وقد يكون المستقبل بلا أساس.
في الوقت الحاضر دخلت أساليب القياسات الرياضية الحديثة في الجيومورفولوجية، وهذه الأساليب قد تعطى نتائج جيدة في بعض الأحوال كما في بعض الأبحاث الخاصة بالجليد، ولكن هذا القياس لا يمكن أن يحل جميع غوامض الأشكال الأرضية، وقد قال بعض الجغرافيين يصف العالم ليس هناك أثر لبداية ولا بادرة لنهاية، ولهذا نجد أن معظم الجيومورفولجيين قد تغير منهجهم.
وميدان الجغرافية الطبيعية الآن لا يقتصر على دراسة الغلاف الصخري الذي أخذه الجيومورفولجيين أساس لهم، ولكن تضم كذلك الغلاف المائي، والغلاف الغازي، والغلاف الحيوي. ومن المؤسف أن الجغرافية كانت مستعدة للتنازل عن هذين الميدانين، فأخذت هذه الميادين تبتعد عن مظلتها إلى حد كبير. فنجد أن الجغرافية تنازلت عن الغلاف الصخري للجيومورفولوجيين الذين بدأوا كجيولوجيين. وقد أصبح الجيومورفولجيون في حيرة لأنهم لا يعرفون إلى أي من الجيولوجية أو الجغرافية ينتمون. وهناك من يدافع عن ترك الجغرافية لهذه الفروع لكي تستقل عنها، وفى رأيهم أن الجغرافية علم يتميز بالشمول، ولهذا يجب ألا تعنى بالتخصص الدقيق، ولكن مما يدعوا إلى السخرية أن هذه الدراسات الجديدة الدقيقة التخصص أخذت تعود مرة أخرى إلى حظيرة الجغرافيا، ونجد أن بعض الجامعات أخذت تعيد هذه الفروع المتخصصة إلى أقسام الجغرافيا، ففي أمريكا قامت جامعة سوث فلوريدا بتدريس مقرراً بعنوان " الهيدرولوجية والشئون البشرية " وتعطى منهج آخر في مادة أخرى هي " الإقيانوغرافية البشرية "، فهناك رجعة إلى عودة الأبناء العاقين إلى الجغرافية.
بينما كان علم الأرصاد الجوية وعلم المناخ دائماً في حظيرة الجغرافيا ولكن الأول هرب من الجغرافية، علي الرغم من أن نشأته الأولى كانت كأحد فروع الجغرافيا، أما علم المناخ فبقى علم جغرافي وكان الفضل في هذا يرجع إلى فلاديمير كيبن عندما نشر تصنيفه عن المناخ، وفى الواقع لم يكن عالم من علماء المناخ ولكنه عالم نبات و يعكس هذا التصنيف المناخي تصنيفه النباتي حيث أنه عالم نبات أصلاً. و في سنة 1913 قام بتعديل تصنيفه الأول الذي نشر في سنة 1884، ثم حسنه وأعاد نشره في سنة 1931 بعنوان " الأقسام الكبرى لمناخ الأرض Grundirss des Klima Kuncle" وفيما بعد نشر كيبن بالاشتراك مع رودولف جينجر كتاب في خمسة مجلدات تحت عنوان تقويم المناخ.
ويأتي من بعد كيبن ألكسندر سويان الذي نشر تقسيم يعتمد فيه على خطوط الحرارة المتساوية، وجاء من بعده فورن سويث الذي نشر في سنة 1933 كتابه بعنوان مناخ العالم. ومنذ ذلك التاريخ تابع عدد من تلاميذه المخلصين الخطة الأساسية التي وضعها. وفى السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية تطور علم الأرصاد الجوية وأصبح له أقسامه الخاصة في الجامعات، وكانت جامعة القاهرة من أسبق الجامعات في هذه الناحية. أما علم المناخ فبقى في مقررات الجغرافية في كل الجامعات.
لم يهتم الجغرافيين في أول الأمر اهتماماً كبيراً بالغلاف المائي مع أنه يغطى 4/3 سطح الكرة الأرضية، ولم يهتم به الجغرافيين وكان اهتمامهم الأساسي بالجزء الظاهر من سطح الأرض أي باليابس، وقد أخذت مادة الإقيانوغرافية مدة طويلة وهى مستقلة تماماً عن الجغرافية وحتى الآن، وأن الذين يعنون بها من الجغرافيين الآن عدد صغير، سواء في تدريسها أو بالبحوث الجامعية. وتركتها الجغرافية إلى الكيمياء البحرية والجيولوجية البحرية، والإقيانوغرافية البيولوجية والطبيعية، وقد عجز هؤلاء الناس عن أن يجعلوا منها علم متكامل من خلال دراساتهم فيها. ولذلك نجد أن الإقيانوغرافية يمكن أن ندعوها علم أو ستظل علم مع شئ من التحفظ، وربما استطاعت الجغرافية في يوم ما أن تقدم هذه النظرية ثم تعود دراسة الغلاف المائي إلى حظيرتها الجغرافية مرة ثانية.
وتعتبر الجغرافية الحيوية فرع من فروع الجغرافية الطبيعية. وتعتبر دراسة النبات والحيوان جزء مهم ولكن للأسف لا زال لا يلقى الاهتمام الكافي من الجغرافيين. وأول من اهتم بهذا الفرع هو الأستاذ همبولت، لأنه أول من نشر بحث بالفرنسية عن جغرافية النبات وكان ذلك في أوائل القرن التاسع عشر. ولكن لم يستطع بحث همبولت أن يثير الكثير من الاهتمام بهذا العلم، وبقيت دراسة الحيوان والنبات متروكة لأصحاب علوم النبات والحيوان.
ويمكن أن تشمل الجغرافية الطبيعية دراسة التربة ولكن المهتمين بدراسة التربة أقل بكثير من المهتمين بدراسة الجغرافية الحيوية. وليس من شك أن الجغرافية الطبيعية في طريقها إلى الانحدار ولكن دراسة الجزء التاريخي منها يلقى كثيرٌ من الدعم. وهذا مما يسترعي الانتباه ويجعلنا نتساءل هنا هل هذا يرجع إلى أن الجغرافيين الطبيعيين لم يعد عندهم ما يضيفونه إلى الجغرافية الطبيعية، أم أن هذا يعود إلى أن الجغرافيين قد ربطوا أنفسهم بالعلوم الاجتماعية وهجروا دورهم التقليدي كمعبر بين العلوم الطبيعية والبشرية.












توقيع :

حسابي على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك

https://www.facebook.com/profile.php?id=100022255245260

على تويتر

https://twitter.com/Dr_Mokhtar1981

عرض البوم صور مؤسس المنتدى   رد مع اقتباس
قديم 07-11-2010, 05:32 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
 
الصورة الرمزية simosisto

البيانات
التسجيل: Aug 2008
العضوية: 5836
المشاركات: 4,535 [+]
بمعدل : 1.24 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 2512
نقاط التقييم: 2232
simosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond reputesimosisto has a reputation beyond repute


الإتصالات
الحالة:
simosisto غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .












توقيع :




عرض البوم صور simosisto   رد مع اقتباس
قديم 21-11-2010, 08:10 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Nov 2010
العضوية: 42661
المشاركات: 1 [+]
بمعدل : 0.00 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 10
عبد الغني دواودة is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
عبد الغني دواودة غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

مقال جاد .... شكرا .... و نتمنى المزيدشـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .












عرض البوم صور عبد الغني دواودة   رد مع اقتباس
قديم 23-10-2012, 10:13 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Oct 2012
العضوية: 52294
المشاركات: 63 [+]
بمعدل : 0.03 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 1077
نقاط التقييم: 10
الجغرافيا والعقيدة is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
الجغرافيا والعقيدة غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

جزاكم الله خيرا ونفع بكم












عرض البوم صور الجغرافيا والعقيدة   رد مع اقتباس
قديم 16-01-2013, 03:26 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jan 2013
العضوية: 53570
المشاركات: 2 [+]
بمعدل : 0.00 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 10
عربية و افتخر is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
عربية و افتخر غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .












عرض البوم صور عربية و افتخر   رد مع اقتباس
قديم 16-01-2013, 03:43 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Jan 2013
العضوية: 53570
المشاركات: 2 [+]
بمعدل : 0.00 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 10
عربية و افتخر is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
عربية و افتخر غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
Icon4 رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عربية و افتخر مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ألف مبروك .. لقد سعدت بهذا الخبر شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... . موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
كل ما اسوي اقتباس يطلع الكلام معكوس ممكن حدى يساعدني؟؟












عرض البوم صور عربية و افتخر   رد مع اقتباس
قديم 17-01-2013, 06:09 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
 
الصورة الرمزية عبير كامل

البيانات
التسجيل: Jan 2013
العضوية: 53578
المشاركات: 4 [+]
بمعدل : 0.00 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 10
عبير كامل is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
عبير كامل غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

مجهود يستحق الشكر












عرض البوم صور عبير كامل   رد مع اقتباس
قديم 04-09-2013, 04:04 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
 
الصورة الرمزية مصر مصر

البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 39886
العمر: 34
المشاركات: 1,968 [+]
بمعدل : 0.68 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 1647
نقاط التقييم: 88
مصر مصر will become famous soon enough


الإتصالات
الحالة:
مصر مصر غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .












عرض البوم صور مصر مصر   رد مع اقتباس
قديم 11-10-2014, 05:54 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:

البيانات
التسجيل: Oct 2014
العضوية: 57081
المشاركات: 26 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 708
نقاط التقييم: 10
تغغغررريد is on a distinguished road


الإتصالات
الحالة:
تغغغررريد غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : مؤسس المنتدى المنتدى : منتدى خاص بالمرحوم الدكتور أحمد أحمد الشيخ
افتراضي رد: دور العرب فى تطور علم الجغرافيا

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .












عرض البوم صور تغغغررريد   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رسائل الجغرافيا فى مكتبة كلية الأداب ( القاهرة ) عناوين فقط مؤسس المنتدى رسائل علمية 56 12-11-2016 04:08 PM
دليل المواقع الجغرافيه على النت دكتور محمود خضر ساحة طلاب أقسام الجغرافيا 17 30-09-2014 03:23 PM
الافكار العلمية لبعض رواد الجغرافية السياسية سفين جلال/كويه سفين جلال الجغرافيا السياسية 4 21-10-2011 01:27 PM
إعادة إكتشـاف الجـغـرافـيــــا مؤسس المنتدى الأستاذ الدكتور مـضـر خـليل عـمر خليل الكيلاني ( العراق ) 5 21-07-2010 06:28 PM
حصرى من كتاب الدكتور ( محمد سالم مقلد ) ... العرب مؤسس المنتدى الوطن العربى 2 10-11-2009 06:13 PM

ضع بريدك هنا ليصلك كل ماهو جديد:


الساعة الآن 08:56 PM بتوقيت مصر

::::::: الجغرافيون العرب :::::::

↑ Grab this Headline Animator

تصميم مواقع شركات

تصميم متجر الكتروني


Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 1
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
Search Engine Optimization by vBSEO
الحقوق محفوظة لمنتدى للجغرافيين العرب

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105