الملاحظات

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: دورة السلامة في المنشآت الادارية ( للرجال والسيدات ) (آخر رد :احمد افندى)       :: ارجو المساعده (آخر رد :اماني الحربي)       :: ارجوا مساعدتي في مشروعي (آخر رد :اماني الحربي)       :: بمناسبة أفتتاح GIS Academy جميع كورسات البرامج الخاصة بنظم المعلومات الجغرافية (آخر رد :عبدو دياب)       :: الخدمات التعليمية فى مركز الفيوم (آخر رد :الشيماءمحمدرفعت)       :: دورة التقنيات الحديثة في مسح ورسم الخرائط metc (آخر رد :مروه ناصر)       :: دورة السلامة في المعامل والمختبرات الكيميائية metc (آخر رد :مروه ناصر)       :: دورة الأسس الفنية في إدارة ملف التأمين في المؤسسات الصناعية و التجارية metc (آخر رد :مروه ناصر)       :: دورة البرنامج المتكامل لإدارة مكاتب الاستعلام السياحي metc (آخر رد :مروه ناصر)       :: عرض خاص دورة الإستراتيجيات الحديثة في تخطيط الحملات الإعلامية والإعلانية بالاردن metc (آخر رد :مروه ناصر)       :: جغرافة السكان للأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي (آخر رد :ريحانة مكه)       :: دورة الرؤية الإبداعية وكيفية صياغة الأهداف ووضع الخطط الاستراتيجية مركز الخبرة الحديث (آخر رد :مها المهدي)       :: القضية الجنوبية في ملف التدويل (آخر رد :الحضرمي الجغرافي)       :: توفير قبولات في امريكا (آخر رد :احمد افندى)       :: كتاب المناخ الحيوي مهم جداً ل:د علي حسن موسى (آخر رد :الخريجة الجامعية)      

العراق /رؤية مستقبلية

الفصل الأول النظام السياسي في العراق إعادة القراءة في تأثير البيئة الدولية شهد شهر حزيران 2004 حدثين مهمين في تأريخ العراق بعد التغيير السياسي الذي حصل في نيسان 2003:

كاتب الموضوع سفين جلال مشاركات 4 المشاهدات 8770  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-10-2008, 01:36 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
سفين جلال
اللقب:

البيانات
التسجيل: Apr 2007
العضوية: 231
المشاركات: 41 [+]
بمعدل : 0.01 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 1376
نقاط التقييم: 10
سفين جلال is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سفين جلال غير متواجد حالياً

المنتدى : الجغرافيا السياسية
افتراضي العراق /رؤية مستقبلية

الفصل الأول
النظام السياسي في العراق
إعادة القراءة في تأثير البيئة الدولية

شهد شهر حزيران 2004 حدثين مهمين في تأريخ العراق بعد التغيير السياسي الذي حصل في نيسان 2003:
أولهما،إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1546 الذي يعلن فيه جدولا زمنيا لإجراء انتخابات الحكومة ومجلس وطني للدولة العراقية، علاوة على تشكيل أول حكومة عراقية(وجود رئيس للوزراء ورئيس للدولة العراقية) لإدارة المرحلة الانتقالية،وتهيئة البلاد للمرحلة الدستورية، وهنا نتساءل هل يملك العراقيون تسيير أمورهم بشكل مستقل، وهل سيملكوا الاستقلالية بالمستقبل؟أم أن البيئة الدولية(الولايات المتحدة) سيكون لها القول الفصل في تحديد شأن العراق ؟
لقد شكل الوضع الدولي الراهن للعراق علامة فارقة في تاريخ النظام الدولي، فدرجة التعسف الأمريكي في استخدام القوة ضد العراق، واحتلاله، وغياب الموقف الدولي المستقل إزاءه كان دالة على أفول نظام دولي وبدا تشكيل نظام عالمي جديد تتزايد الدعوات فيه للانفتاح على التعددية القطبية، وما يهمنا هو وضع العراق نفسه،إذ يشهد وضعا" غير مستقرا".وإمكانية ديمومة حالة عدم الاستقرار في الوضع والسياسة العراقية تؤكده المعطيات الداخلية في هذا البلد، وبقاء الأسباب الخارجية المؤثرة فيهما، وهنا تستوقفنا مسألتان:
1. شكل نظام الحكم الدائم الذي تفضله الولايات المتحدة في العراق. هل سيكون طائفياً أو قبلياً، مركزياً أو غير مركزي، قومياً أو وطنياً،علمانياً أو دينياً، فهذه المسالة لها أبعاد تتجاوز العراق لترتهن بشكل الخارطة القادمة للمنطقة في الذهنية والتصور الإستراتيجي الأمريكي، وما ترسمه من ادوار قادمة لهذا البلد.
2. الاحتمالات التي قد يستقر عليها العراق. إن أي تحول في وضع العراق الراهن سيجد أرضيته في واحدة من احتمالين ليس إلا.
* أولهما،الاندفاع نحو البيئة الخارجية وخوض غمار تفاعلاتها.وهذا الاحتمال يتيح خيارات واسعة تغطي مساحة تمتد من الانفتاح على العالم الغربي،مرورا بالارتباط بعلاقات إقليمية موسعة، وانتهاء بالاندماج في البيئة العربية. ويلاحظ إن كل خيار من بين هذه الخيارات يفرض صياغة لأولويات العراق، وتحديد للمرجعيات الفكرية التي تستند حركته عليها .
* وثاني تلك الاحتمالات، تفجر أوضاع الأزمة الداخلية(اندلاع حرب أهلية). وهذا الاحتمال ينطوي على رؤية مفادها صراع القوى السياسية العراقية على الإمكانات المتاحة وغياب الخيارات، غير خيار الاستحواذ على السلطة بكل الوسائل المتاحة، في سلم أولويات تلك القوى .
المسألتان في أعلاه ستثيران التساؤلات الآتية:-
o هل للعراقيين دور في تحديد مرجعية السياسة العراقية وأولوياتها؟
o وما الذي تريده الولايات المتحدة من العراق،وكيف سينعكس ذلك بشكل أو بآخر على شكل نظام الحكم القادم وأدواره الإقليمية والعربية؟
o والتساؤل الثالث مفاده ما الأسباب التي تدفعنا إلى القول بوجود الاحتمالين في أعلاه، في عراق الغد؟

المبحث الأول
العراق:حدود الأهمية الدولية

لم يكن، نظام حكم البعث في العراق بعد عام 1968، سمة مميزة وفريدة عما قبله، بقدر ما كان خطوة باتجاه حسم مسائل داخلية استمرت غير مستقرة ومعلقة طوال الحقب السابقة: بناء الدولة المركزية، اعتماد نظام الحزب الواحد،وإقرار حكم الفرد. وأتاح تنفيذ قرار تأميم الصناعات النفطية توافر إمكانات مادية ملائمة لتنفيذ تطلعات النظام السياسي العراقي الخارجية: بناء إمكانات القوة الإقليمية والعربية. وتم استثمار هذه العوائد وفقا للرؤية الأيديولوجية التي تبناها النظام لما ينبغي أن تكون عليه الخارطة السياسية في الداخل وفي الخارج.
عند المرحلة أعلاه بدأت موازين السياسات الغربية، والأمريكية خاصة في التعامل مع العراق تنتقل من كونها واقعة في مرتبة الاهتمامات والسياسات الثانوية لترتقي إلى مرتبة الاهتمامات الإستراتيجية والسياسات العليا فعلا خلاف مرحلة ما قبل عام 1958 التي وقف فيها نظام الحكم موقف العاجز عن إدارة شؤون البلاد إلا عبر اعتماد خيار بريطاني أولا، فان مرحلة ما بعد التأميم لم يعط فيها النظام حيزا لسياسات الوصايا أو تنفيذ سياسات بالتواكل، لذا رأينا قيام العراق بتحرير نفسه تدريجيا من قيود والتزامات اتفاقية الصداقة الموقعة مع الاتحاد السوفيتي السابق عام 1972. وتقدم خطوات نحو بناء أدواره الإقليمية والعربية. وهذا ما جعل السياسة العراقية تتقاطع مع أهم الاعتبارات التي يحملها الغرب عند التعامل مع الأخر: رفض الاستقلالية.
ولقد استطاع النظام السياسي أن يضمن قدراً عالياً من الاستقرار الداخلي، أما البيئتين الإقليمية والعربية فكانتا على قدر من الدينامية والتفجر يسمح معه بإعادة التشكل وفقا لصيغ ورؤى الطرف الأقوى. وما ساعد على طرح تصوره لماهية الخارطة السياسية للمنطقة إن نظام القطبية الثنائي بعد عام 1973 لم يكن يفرض استقطاب حاد على البلدان الإقليمية، وبضمنها المنطقة المحيطة بالعراق، ولننظر مثلا السياسة العراقية أثناء وبعد انعقاد قمة بغداد العربية عام 1978، ونجاحها في عزل مصر عن العالم العربي، بعد توقيع الأخيرة لاتفاقية السلام مع إسرائيل، وكذلك في عزل إيران نسبيا عن هذا العالم. وفي هذه الأثناء دخل العراق الحرب مع إيران وهو في اشد حالات الاندفاع لبلورة وضعه الريادي العربي والإقليمي. والواضح إن هذا الدور تم في إطار وضع دولي متوازن أفضى إلى تطوير العراق لعلاقاته مع مختلف القوى الدولية: الاتحاد السوفيتي السابق، وعموم دول أوربا، إضافة إلى تحسن في علاقاته مع الولايات المتحدة(1).
وقد استفاد العراق في الاستمرار بأداء دوره الطموح من تداعيات الموقف الدولي في منطقة الخليج، الذي اتصف آنذاك برؤية سلبية في اغلب الأحيان إزاء المبادئ المعلنة للنظام السياسي الإيراني(2). فاستطاع الحصول على دعم وإسناد معظم القوى الدولية في حربه مع إيران، وحيد قسم آخر منها.

المبحث الثاني
رؤية الولايات المتحدة للعراق

المقدمة السابقة تساعد على تفهم الوضع الذي خطط لان يكون العراق فيه بعد عام 1990، وأدت الولايات المتحدة دور المخطط الرئيس والمنفذ لإعادة صياغة هذا الوضع، بعد تأكد بروز قوة العراق أثناء حربه مع إيران.
لقد انتهى التفكير الإستراتيجي الأمريكي في النصف الثاني من عقد الثمانينات إلى ضرورة تحجيم دور العراق إلى ما دون مستوى إمكاناته الفعلية، بيد إن الحاجة إلى وجود العراق في مواجه قوة إيران الإقليمية، إضافة إلى حضور الاتحاد السوفيتي في المنطقة والخشية من تدخله، نقول إن هذا كله قد اجل اعتماد مثل هكذا خيار.
وبرأينا، فأن الموقف الأمريكي حول ضرورة وحتمية القيام بمثل هذا التحجيم يعود إلى وجود خمس فرضيات أساسية قد حكمت السياسة الأمريكية حيال العراق طوال المرحلة السابقة على اعتماده، وتنفيذه وهي:
o العراق قوة إقليمية – عربية فاعلة لقد استطاع العراق بناء قوة عسكرية متقدمة وفقا للمعايير الكيفية والكمية السائدة في المنطقة. وسعت قيادته إلى وضع تصوراتها وطموحاتها بصدد أداء أدوار فاعلة وقيادية في النطاق العربي والإقليمي موضع التنفيذ الفعلي في أعقاب انتهاء الحرب مع إيران: المسارعة في إنشاء مجلس التعاون العربي 1989، عقد قمة بغداد العربية 1990، فالبيئة الإقليمية والعربية المحيطة كانت تعيش مرحلة مضطربة متموجة مفتوحة على أكثر من احتمال: تجدد الحرب مع إيران، الصراع بين سوريا وإسرائيل …والأكثر منه إن البيئة العالمية قد شهدت تحولات كبيرة: تقلص الدور السوفيتي، وبدأ تحلله من التزاماته الإستراتيجية حيال أصدقائه، وخاصة العراق.
في حين بدت تلك المرحلة بالنسبة للسياسات الأمريكية هي الأنسب لإعادة صياغة أوضاع النظام العالمي بما يتفق ووضعها الاستراتيجي العالمي، الذي بات ينذر بحتمية دور القطب الواحد. ولم تكن المنطقة العربية ودول الجوار الإقليمية بمنأى عن هذه المراجعة وإعادة الصياغة(3). وهنا، احتمالات المواجهة مع العراق لم تكن بعيدة عنحسابات الاستراتيجيين والمحللين، طالما إن الأخير هو في وضع المتقاطع مع المصالح والوجود الأمريكي في منطقة الخليج، والتي يعدها المجال الحيوي لادائه الأدوار الإقليمية والعربية الفاعلة، وتأكيد حضوره الدولي.
وبقصد تعزيز قدراته على تنفيذ أدواره جعل العراق من يمتلك القوة والاستحواذ عليها ضرورة دائمة، لهذا انكب على مواصلة جهوده في بناء القدرات العسكرية و قدرات التدمير الشامل تحديدا"، حتى أصبح قوة أساسية في المنطقة .
o بيد أن قدرة العراق على تنفيذ أدوار فاعلة لم تكن بتلك السهولة المفترضة، فإذا كانت إمكاناته قد سمحت له بفرض إنهاء للصراع المسلح مع إيران بيد إن الأوضاع الإقليمية والعربية، والأكثر منه العالمية لم تكن تسمح بإعادة تشكيل النظامين الإقليمي والعربي . فالمصالح والخطوط الحمراء للقوى المحيطة به وللقوى الدولية الكبرى كانت واضحة. وبالتالي فأن إعادة ترتيب البيئة المحيطة كان يتطلب أحداث تغيرات كبيرة فيهما بغية فرض الرؤى والأيديولوجية العراقية.
وإزاء التنازع على دور القيادة والريادة مع دول عربية: كالسعودية و مصر مثلا، ومع دول إقليمية: كتركيا مثلا، ورغبة الدول الأخيرة في محاباة القوى العظمى(الولايات المتحدة) لم يكن بمقدور العراق آنذاك حسم عملية إعادة ترتيب بيئته المحيطة، وهو الأمر الذي جعله غير قانع بالوضعين الإقليمي والعربي.
وربما يعزي البعض عدم القناعة العراقية إلى كون طموحات هذه الدولة(الإقليمية والعربية)واسعة جدا في حين إن بيئته لم تسمح بإمكانية إحداث تحول جوهري فيها؛أو في ارتباطاتها الدولية(4). فالمنطقة بشكل عام تعيش مرحلة التأثر بالمضمون التاريخي لعلاقاتها بالقوى المحتلة: الاستذكار الدائم لعلاقات التبعية والاحتلال السابقة، وتعيش أيضا مرحلة التأثر بالمضمون الواقعي الذي يتصور عدم إمكانية التحرر من القيود التي تضعها القوة الفاعلة في النظام الدولي، أي الولايات المتحدة. والأكثر منه إن التحول عن المضمونين الواقعي والتاريخي ينطوي على لعبة استبدال وتغيير الكراسي العربية الحاكمة، وهذا الأمر غير مستحب ذكره أو مناقشته لدى أغلب حكام العرب.
o اتجاه العراق نحو امتلاك القوة والاستحواذ عليها غير قابل للتعديل والتكييف، فمعدل بناء العراق لقوته خلال الفترة 1988-1990 كان غير مسبوقا(5)، وإذا كان قدر للعراق الاستمرار بعملية البناء فان أي قوة إقليمية أوعربية ستكون غير قادرة على مجاراته أو مكافئته. ويضاعف من اثر هذا المتغير وجود فراغ إقليمي وعربي واضح في ميدان علاقات القوى. فإيران، مثلا، قدراتها العسكرية تلبي في أفضل الأحوال متطلبات وحاجات دفاعية محضة، في حين كانت تركيا تعيش وضعا استراتيجيا حرجا فالتزاماتها وأدوارها الإقليمية لمرحلة ما بعد الحقبة السوفيتية داخل الحلف الأطلسي صار يعاد النظر بها. كما إن علاقاتها بالعراق خصوصاً الاقتصادية والأمنية(المشكلة الكردية)قلصت الحاجة إلى اعتماد فرضيات المواجهة بين الدولتين.
أما كل من سوريا ومصر فهما قوتان إقليميتان مقيدتان بساحة الصراع مع إسرائيل إلى درجة كبيرة، ودون أن توازيها(6).
يقابل كل ذلك إن بنية العراق وقاعدته العسكرية قد أنضجتها الحرب مع إيران. وساعد على ذلك سماح الغرب بتدفق الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدمة نسبيا" اليه، ليبقيه بوضع عسكري قادر على الحفاظ على أوضاع التوازن السياسي- العسكري في المنطقة، وليكبح جماح أي اندفاع إيراني نحو منطقة الخليج(7).
وجاء انسحاب الاتحاد السوفيتي السابق من الساحة الدولية ليعزز التطلع العراقي المتأصل نحو ضرورة وجود نظام إقليمي وعربي متحرر من قيود سياسات ومصالح القوى الكبرى، ولكن بزعامة عراقية، وحتى تكون مثل هكذا زعامة أمرا واقعيا ومفروضا على جميع الأطراف المعنية فانه يتطلب مضاعفة القوة العسكرية، الأداة الفاعلة في تنفيذ السياسة الخارجية.
o وترى الولايات المتحدة في العراق المستقل قوة غير محايدة ولن يكون كذلك، بمعنى أن العراق في وضع صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية ويعمد إلى استثمار إمكاناته لهذا الصراع. ويمكن بيان ذلك من وضع معادلة تجمع بين إمكانات العراق بناتج قومي بلغ " 18 " مليار دولار/ 1989، والتهديدات الإقليمية؛إيران وإسرائيل. والقوة العسكرية بمتوسط أنفاق بلغ 12،8 مليار دولار/1989. وينتهي المحلل من ذلك إلى نتيجة مفادها اختلال في أوجه الإنفاق الحكومي لصالح المؤسسة العسكرية على حساب القطاعات المدنية الأخرى. وان العراق يقوم بأقصى استثمار لإمكاناته في بناء قوة عسكرية تفوق الحاجة الدفاعية لردع التهديدات المحيطة.
وما يعطي المصداقية للتحليل القائل بعدم إمكانية جعل العراق المستقل قوة محايدة إن إيديولوجية النظام السياسي فيه وخطابه السياسي قد استقر عند اتجاه مناهض للمصالح والسياسات الأمريكية، ولأوضاع التبعية التي تطغى على معظم البلدان المحيطة به، ولوجود إسرائيل وبقائها في المنطقة، وبالتالي فلا جدوى من تحويل هذا النظام المعارض للمصالح والسياسات الغربية عامة والأمريكية خاصة نحو تبني رؤى ايجابية للوجود الأمريكي في المنطقة،أو في الأقل أن تكون تعاملاته أكثر حيادية حيال وضع المصالح الأمريكية فيها، ما دام باقيا في الحكم.
وهنا، ألا يستدعي الحال منطقيا وفقا للرؤية الأمريكية، وبعيدا" عن الاعتبارات الأخلاقية وحقائق وضع العراق الدولي وإعادة صياغة أوضاع هذه القوة الفتية (العراق)، حتى لا تتحول المنطقة عموما" إلى ساحة متدنية لوضع الولايات المتحدة الدولي ؟
وهذا ما يقودنا إلى البحث في السياسات التي اشتركت في تحجيم قوة العراق .

المبحث الثالث
السياسة الأمريكية لإعادة صياغة وضع العراق الدولي بعد الحرب الباردة

لقد كونت المعطيات العالمية والإقليمية والعربية الظروف لتنفيذ سياسات إعادة صياغة وضع هذه الدولة الدولي. فالنصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين قد أشرت تداعي تسويات نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، تاركا" الطريق لنظام أخر وجدت غالبية الدول وبضمنها العراق أنها لن تشارك جديا" في صنعه طالما كان ذلك خارج إمكاناتها وإنما عليها أن تدور في فلكه، وفي فلك قواه الفاعلة فقط. وهذا التكيف القسري مع البيئة القابلة للتشكل هي خارج دائرة المبادئ الأيديولوجية-القومية التي حملها صانع القرار العراقي السابق. هذا من جهة .
ومن جهة أخرى، جاءت سياسات(بعض الدول العربية) إغراق السوق النفطية العالمية بفائض إنتاجي يزيد عن حاجة الاستهلاك العالمي لتجعل السياسة العراقية في مأزق كبير. فأسعار النفط، مورد العراق الرئيس، تدهورت بمعدلات كبيرة (دون 9 دولار/ للبرميل أحيانا) مما قلص موارد العراق المالية. وصارت السياسة العراقية أمام محك الاختبار الحقيقي أما أن تتجاوز المبادئ في خطابها السياسي وتضفي صفة الشرعية على أساليب التعامل القائمة وفقا" لمقتضيات المصلحة. وبالتالي فلا مناص من التدخل الحاسم لإيقاف هذه الممارسات ضده، أو الارتماء في أحضان المبادئ، وتحمل تبعات الأذى العربي له. فكان الخيار الأول هو ما أعتمده العراق، ومتجاهلا" الارتباط بين أمن منطقة الخليج والأمن الدولي. فماذا يعني التحول في وضع العراق بعد تدخله في الكويت بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية وفي العالم؟ وماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى البلدان العربية والقوى الإقليمية الفاعلة؟
في هذا الوقت الحرج من تاريخ النظام العربي، وتاريخ العراق تحديدا" تعززت قدرات الأخير على ممارسة أدوار أكثر تأثيرا" في القضايا الجوهرية (الصراع العربي– الإسرائيلي، والبترول) وهي مصالح حيوية أمريكية. وابرز الوضع الجديد التناقضات في بيئة تعيش حالة سيولة شديدة، ومشاهد لايمكن ضبطها بسهولة. فالصراع العربي– الإسرائيلي برز إلى الواجهة رغم محاولات إعطاء الأولوية لحسم أزمة الخليج. وعمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب إلى إعادة الحسابات السياسية حول جدوى النظر في الترتيبات السياسية والأمنية في المنطقة، وضرورة تسوية الصراع العربي الإسرائيلي(8).
ولما كانت التصورات العراقية تتعارض بالجملة مع التصورات الأمريكية بخصوص التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي ومع السياسات البترولية وسبل علاجهما والغاية منه، فأن رد الفعل الأمريكي لم يكن غامضا" على خبراء ومحللي السياسة الدولية والإستراتيجية، في ضرورة إزالة نتائج محتملة، وغير مرغوبة التي ولدها وضع العراق الدولي الجديد بعد تدخله في الكويت.
وكانت الرؤية الأمريكية قد ركزت على تخطى العراق للخطوط الحمراء الموضوعة أمام أي قوة في تنفيذ سياساته الإقليمية والعربية. والتقت المصالح الإقليمية والعربية كذلك على حساسية الوضع العراقي الجديد، وان الضرورة تقتضي تحجيمه إلى أدنى قدر ممكن(9)؛ إذا ما استثنينا بعض المواقف المنفردة كالأردن والسودان.. وهكذا دخلت معظم البلدان المحيطة في عداد الدول المشاركة أو المقدمة لتسهيلات في ضرب العراق، وتحجيم إمكاناته وتقليص دوره .
وما نقوله هنا هو قصور صانع السياسة العراقية آنذاك في فهم كيفية التعامل مع التحول في بنية النظام الدولي وقيمه، وأساليب تصريف قواه للسياسة الدولية في تلك الحقبة الحرجة باتجاه المزيد من حرية التصرف الأمريكي لإعادة ترتيب الأوضاع الدولية، وبضمنها الأوضاع في المنطقة العربية .
وإذا ما استقرأنا وضع السياسة الأمريكية إزاء العراق عامي 1989 -1990 نتبين إلى أي مدى كان يفترض فيه تحجيم وضع العراق الدولي، الإقليمي منه والعربي، فعندما زار وفد الكونجرس الأمريكي العراق في ربيع عام 1990، أوضح لقيادته الخطوط العريضة الواجب إتباعها تبعا" لمقتضيات المصلحة الأمريكية. ومقدار الحضور المسموح به في ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي. وان يعمد إلى المبادرة لنزع أسلحة الدمار الشامل التي لديه…وترك الوفد رسالة مقابلة مفهومة ضمنا": إن كافة الخيارات يمكن أن تناقش إذا رفض العراق الانصياع لذلك.
وفي هذه المرحلة، انساقت القوى الكبرى وراء السياسة الأمريكية، ولم تكن تلك القوى راغبة أو قادرة على مجاراة الفعل الأمريكي. لهذا كان التصريف الأمريكي للعلاقات الدولية مع العراق هو السائد أثناء الأزمة " 2 آب 1990 – 1آذار 1991 “.
واستند هذا التصريف على ثلاثة عناصر، هي الآتي:
* أولهما، ما يحدد سياسة العراق هو المعتقدات الأيديولوجية والقومية لنظامه السياسي. ومن الصعوبة تغيير هذه السياسة ببقاء النظام السياسي . وولوج مدخل تغيير النظام قد يوقع الولايات المتحدة الأمريكية في خطر عدم استقرار المنطقة ككل. وهذا ما يفرضه تداخل البني الاجتماعية، والقومية، والدينية، العربية، والإقليمية مع نظرائها في العراق. كما إن الأوضاع الإستراتيجية السائدة في الإقليم تجعل أي تغيير يصيب الجزء لابد أن يؤثر على الإقليم ككل. وان أي تحول في الإقليم لا يعفي الجزء من تركاته، وفي أفضل الأحوال البدائل التي يعتقد أنها ستخلف تلك الأيديولوجية في العراق غير مقبولة من الولايات المتحدة. وانتهت الإرادة الأمريكية إلى ضرورة تحجيم الأيديولوجية التي يحملها العراق، وعزلها ضمن حيز جغرافي سياسي محدد، غير مؤثر على الترتيبات والتفاعلات الجارية في المنطقة.
* وثانيهما، إن خيارات العراق السياسية الخارجية محددة بفعل واقع إمكانات البلاد المتاحة. فالعراق دولة نفطية باحتياطي مؤكد يتجاوز 112 مليار برميل، وهو ما يعطيه مصداقية في الاستمرار برفد السوق العالمية لفترة تتجاوز الـخمسين عاما القادمة. وان ما يزيد عن 80 % من دخله وعائده السنوي هو محصلة لبيع ثرواته النفطية. لهذا فاستقرار السوق النفطية والتأثير فيها عد مصلحة عراقية، وأتاح بناء إمكانات عسكرية متقدمة تحقيق جانب من هذا الغرض. وهنا كان على الولايات المتحدة أن تعمد إلى تحجيم عائدات هذه الدولة المالية، وبالتالي تقليص إمكاناتها القابلة للتوظيف إلى قوة عسكرية– مادية، أو حتى إلى قوة معنوية مثل السمعة والهيبة الدوليين. ونجحت في ذلك بفعل سياسات إغراق أسواق العرض النفطية التي مارستها بعض الدول العربية مما خفض من أسعار النفط المورد الأساس لإمكانات العراق. وأدت هذه السياسة إلى شحة في موارده المالية، في ظرف كان يحتاج فيه إلى إمكانات هائلة لمواكبة متطلبات ما بعد الحرب مع إيران: انجاز مشاريع تنمية معطلة،استكمال بناء القوة العسكرية…ثم جاءت العقوبات التي كان تأثيرها واضحا على خيارات هذا البلد.
* وثالث تلك العناصر، قوة العراق العسكرية، لقد جاء دخول القوات العراقية إلى الكويت ليكون المدخل الفاعل لتدمير قدرات العراق بأقل كلفة. وبفعل الحشد الدولي الذي استجمعته الولايات المتحدة صارت إدارة الأزمة والحرب بلا كلفة، بل وأشارت بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة قد حققت أرباح قدرت بـ(50) مليار دولار، من جراء مبيعات الأسلحة، وتحمل دول الخليج العربية والقوى الغربية الأخرى واليابان لتبعات الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وللعمليات العسكرية ضد العراق.
وليس من المبالغة أو التجاوز على الحقائق القول إن ما انتهى إليه حال العراق بعد عام 1990 لم يكن بسبب دخول العراق للكويت، بقدر ما كانت هذه الأحداث ذريعة لإضفاء الشرعية على ما كان يجب أن يحصل من تحجيم لقدرات العراق (المستقل)الكلية. وهذا ما أكدته وقائع الحرب التي شنت ضده، والأحداث اللاحقة عليها، فالعقوبات والعمليات العسكرية قد استمرتا لما بعد خروجه من الكويت، بل وانتهى مجلس الأمن إلى تكبيل العراق بالتزامات جديدة لم يفرضها القرار المرجع في معالجة الأزمة، أي القرار 661/1990.
والإشكالية التي وجد العراق نفسه فيها انه قد أصبح في مواجهة الولايات المتحدة مباشرة. وهذه الأخيرة لن ترضى بأي دور فاعل ومستقل عنها لأي قوة إقليمية أو عربية، فكيف الحال مع نظام يظهر العداء لها، ويتقاطع وإياها كليا" في التصورات والأهداف والسياسات!

وضع العراق الدولي بعد 2003

في 9 نيسان 2003 وقع العراق تحت السيطرة السياسية الأمريكية،التي قوضت النظام السياسي فيه وهذا ما سيدخلنا في مرحلة جديدة،ألا وهي إن عنصر الاستقلالية قد فقد معناه عند الحديث عن العراق، وان جرى الحديث عن آليات ديمقراطية في تشكيل الحكومة. وأمام هذا الواقع نتسأل هل ستعمل الولايات المتحدة على إعادة تأهيل دور العراق الدولي ؟والى أي مدى؟
العراق: الدور الإقليمي والعربي القادم
واليوم(11)، وبعد سيطرة الولايات المتحدة على هذا البلد نجد تغيراً واضحاً قد أصاب بيئته الدولية، ومواقف أطرافها(العربية،الإقليمية،العالمية)تجاهه.فالنظام السياسي الذي أشيع عنه بأنه مصدر عدم استقرار المنطقة،ومن الواجب احتواءه،قد أزيل.والعراق اليوم وغدا تابع سياسيا للولايات المتحدة سواء شئنا أم أبينا..ونتساءل ما هي ادوار العراق القادمة.وما الذي تريده الولايات المتحدة من استثمار الورقة العراقية في البيئة الدولية؟
لقد انتهت الحرب التي شنت على العراق 19 آذار /9 نيسان 2003 إلى إزالة النظام السابق، والأكثر منه إنها فتحت الاحتمالات كافة أمام الدولة العراقية ذاتها. فهي صارت قاب قوسين من الزوال، وبروز كيانات صغيرة تغذيها أطراف إقليمية ودولية لها طموحاتها. كما إن تدخل الولايات المتحدة في إقرار شكل النظام السياسي القادم ستنتهي إلى إعادة تأهيل ادوار هذا البلد الدولية، الإقليمية العربية وفقا لقياسات أمريكية.
تاريخيا، استطاع العراق تنفيذ ادوار دولية (إقليمية وعربية) فاعلة،عندما توافر على:-
• أيديولوجية سياسية طموحة راغبة في ذلك.
• إمكانات مؤهلة سياسياً (قوى بشرية ومالية).
• وضع دولي ملائم.
ولأيماننا إن فاعلية السياسية الخارجية مكمنها داخلي، إذن المسألة مرتبطة بالمتغيرين أ،ب، إذا ما أرادت الولايات المتحدة تأهيل العراق للعب ادوار دولية فاعلة. لكن ماذا سنلاحظ؟
العراق:الإمكانات الذاتية
المجتمع العراقي متلون، طائفياً، وعرقياً، وايديولوجياً. هذا التلون لا يخضع لشروط التنافس بقدر ما يخضع في الغالب لشروط الصراع، والأكثر تحديداً الصراع الصفري، أسباب ذلك قوة الموجة العشائرية، وسيادة النزعة الاستبدادية في نفسية الفرد العراقي. ووجود أفواج من غير المتعلمين المستعدين/ القابلين للتضحية في سبيل فكرة (مهما كانت درجة عقلانيتها/لا عقلانيتها). وقد يعطي تنوع الأحزاب السياسية صورة عما تقدم. الإشكالية هنا،طالما إن عنصر الاستقلالية قد فقد، اقتران النظام السياسي بصيغة ما من ألوان الطيف سيترتب عليه ضمنا إن الولايات المتحدة ترغب في وجود خريطة سياسية إقليمية محددة. وما يدفعنا إلى هذا القول، ونرجو أن نكون مخطئين في تعميم الحالات المرصودة، إن المؤشر الانتخابي محسوب النتائج في العراق. فهو لا يتطابق مع فكرة الكفاءة بقدر ما يتطابق مع مكوني الطائفة/ القبيلة،عن وعي أو لاوعي، فالعراقي بطبعه العام لا يسأل عن برنامج سياسي بقدر ما يسأل عن ألقاب وانساب.
وهنا، نرى ضرورة الإشارة إلى مسألة إن موقع العراق يفرض عليه، إذا ما أراد البقاء، أن يكون واحداً من القوى الفاعلة في الإقليم. أما إذا لم يكن قوياً (ولا زلنا في إطار المتغيرين أ،ب السابق ذكرهما)،فان القوى الإقليمية ستلجأ إلى التدخل في شأن البلاد عبر استثمار الامتدادات الطائفية أو القومية (المرتبطة بالبيئة الإقليمية أكثر من ارتباطها بالعراق كوطن)، وأسوء ما في الأمر انه قد يجري تصفية للحسابات بين تلك القوى عبر هذه/ وفيما بين هذه الامتدادات. ولا نعني بأي حال من الأحوال إن تلك القوى، الإقليمية منها والعربية، سترغب بوجود عراق قوي إلى جانبها، إنما الإشكالية تقع على العراقيين أنفسهم في إعادة إنتاج هوية جديدة يشعرون بالانتماء إليها، ويعرفون أنفسهم من خلالها، ومن ثم يسعون إلى تأكيدها في البيئة الإقليمية والعربية.
والموقف أعلاه (وجود عراق قوي) يواجه بالرفض من قبل دولة مثل إيران، التي لديها من الإمكانات ما يكفل مقاومة هكذا مشروع عراقي، بل وإذا ما أطلق له العنان في المرحلة الراهنة أن ينشر فكره في الإقليم العربي المجاور .
أما دول الخليج العربية ، فحال الرخاء النسبي الذي تمر به يجعلها تبتعد عن محاولات التغيير التي يطلقها العراق؛ أو إيران .فهي قد نأت بجانبها عن كل حالات الصراع العربي ـ العربي، والعربي ـ الإقليمي. وأصبح جلّ اهتمامها تنمية مستوى رفاهية الفرد الاستهلاكية والخدمية، والمحافظة على خصائص نظم حكمها.ولهذا ليس من المستغرب بقاء نزعة الشك قائمة لديها حيال أي توجه عراقي نحو بيئته المحيطة. وان تتمسك برفض عودته الإقليمية والعربية، بوضعه وطموحاته السابقة على عام 1991.
يبقى أمامنا موقف كل من مصر وسوريا التي ترى كل منهما عدم جدوى الخطاب السياسي ـ الأيديولوجي في العراق من دون إمكانات تكفل نجاحه. وتبقى الإشكالية القائمة هي ما الذي تريده الولايات المتحدة من العراق ؟
واقتصادياً، فقد دمرت بنية العراق التحتية بنسبة عالية بعد عام 1990، وصارت ثرواته وموارده معطلة. وتقادمت إمكاناته الباقية في التعامل مع الموارد الأولية، وفي إنتاج السلع الاستهلاكية والخدمية. ولا تزال مشاريع إعادة الاعمار لم يشرع بتنفيذها.وإذا ما علمنا إن الاقتصاد هو احد أدوات التأثير في علاقات الدول، فكيف يتوقع أن يكون العراق مؤثرا في علاقاته الإقليمية والعربية؟
ومن السلبيات التي تعيق تطوير العلاقات مع الدول الأخرى إن الموارد العراقية صارت مشترطة بالسلوكيات الأمريكية، ومالكه غير قادر على استثماره ومن ثم ستكون القوى الدولية الأخرى عند التعامل مع العراق مقيدة، بمتغير الولايات المتحدة في ميدان السياسات النفطية أو في مشاريع إعادة الأعمار.
وإذا ما نظرنا إلى حجم السوق الاقتصادية ـ التجارية العراقية الداخلية سنجد إن قدرتها الاستيعابية، وبضمنها عمليات البناء الداخلية والمحتملة وإعادة إنماء القطاع الاقتصادي والصناعي الإنتاجي لا يتوقع أن تبلغ أرقام خيالية. ومن ثم فأن المشاريع التي تأخذ بنظر الاعتبار ذلك (كي تكون ذات جدوى)ستكون محدودة. وهذا ما يجعل ميدان التنافس الدولي عليها محدود المنفعة، خاصة لدى القوى ذات الاقتصادات والتعاملات كبيرة الحجم. يضاعف من اثر انخفاض المنفعة كون توجه العراق القادم في أفضل الاحتمالات هو نحو عدم الركون إلى قوة دولية واحدة في التعاملات الاقتصادية والتجارية والمتبقي سيكون ذا قيمة ضئيلة جداً في حسابات القوى الكبرى.
في حين ترى البلدان العربية، خاصة المصدرة للنفط إن عودة العراق إلى السوق النفطية سيكون محط إثارة للتنافس، وعدم التقبل في أحيان أخرى (فعلى الرغم من تزايد حاجة السوق العالمية،إلا إن العراق به حاجة إلى عدم التقيد بحصص معينة سعيا وراء زيادة العوائد). ولكن تتضح جدوى التعامل بين الطرفين في ميدان العلاقات الاقتصادية ـ التجارية بسبب اقتصاداتها قليلة الحجم نسبياً، مما يجعل كسب السوق العراقية مثمّن في اعتبارات وأسبقيات هذه البلدان. ومن ثم فامتلاك نسبة في هذه السوق، وفي تعاملات العراق الاقتصادية الخارجية سيكون محط تنافس فيما بينها وأخيرا، لقد كانت قوة العراق العسكرية قبل عام 1991 تصيب البلدان العربية والقوى الإقليمية بالرهبة. فبعد انتهاء حربه مع إيران عام 1988، كانت أمام العراق فرص لأداء ادوار عربية وإقليمية واسعة وفاعلة(12). بيد انه قد أصبح غير قادر على الإتيان أو القيام بأفعال عسكرية خارج دائرة متطلبات الحماية الذاتية داخلياً ، بفعل التدمير الذي أصاب قوته العسكرية، وما فرضته العقوبات المفروضة ضده من عدم إدامة المتبقي من هذه القوة .
لقد تجاوزت نتائج الحرب التي شنت ضد العراق عام 1991 مسألة تحجيم قدرة العراق العسكرية الهجومية لتنال من معظم قدراته على تحقيق والدفاع عن أمنه القطري واليوم تشير بعض الأنباء عن عزم الولايات المتحدة على إعادة بناء قدرة العراق العسكرية وفقا لأساليب جديدة.في ذلك إشارة إلى أن الذي استهدف هو الاستقلالية. فعراق ضعيف غير مستقر لا يخدم غايات الولايات المتحدة، بل وان الحديث عن وجود قواعد عسكرية أمريكية في العراق يكشف عن احتمالات جعل العراق المركز الرئيس للتفاعلات الإقليمية بدلا عن دول الخليج الأخرى.
وخلاصة القول، إن العراق (في ظل نتائج التغيرات السياسية التي نتجت عن الاحتلال) لا يتملك إمكانات ذاتية كافية تؤهله للعودة السياسية الفاعلة إلى البيئة الإقليمية و العربية. فهو لا يمتلك منظور أيديولوجي واضح، وليس لديه القدرة الاقتصادية للقيام بأدوار إقليمية وعربية مسؤولة. كما إن وضعه الاستراتيجي يجعله محط اهتمام علاقات معظم القوى المحيطة به، فضلاً عن اهتمام القوى الكبرى. وفي الوقت نفسه يمتلك إمكانات اقل للعودة للبيئة الدولية الأوسع بالفاعلية السابقة؛ أي في تفاعلاته لما بعد النظامين الإقليمي والعربي: علاقته مع أوروبا مثلاً، أو حتى مع الصين. فتوسع حجم التعاملات الخارجية، وإعادة تأهيل الدور الدولي مكلفة، ولا يستطيع أن يتحمل كل ذلك بنفس القدرة السابقة بينما تحتاج إعادة تقويم البيئة الداخلية الممزقة والمدمرة، وإعادة تأهيلها إلى معظم موارد البلاد المتاحة، خلال المستقبل القريب وربما المتوسط. لذلك فمعظم خيارات العراق القادمة ستكون داخلية، إذا ما أراد أن يكون فاعلاً مستقلاً قياساً بإمكاناته المتوافرة – هذا على فرض إن الحظوظ قد جنبت البلاد مآسي الحروب الأهلية التي هي افتراضاً قائماً.
وما تقدم لا ينفي إن عودة العراق إلى بيئته المحيطة سيتوقف إلى حد كبير على أرادة الإطراف الإقليمية والعربية، ومصداقيتها في تقبله بوضعه الجديد، بمعنى طبيعة علاقته مع الولايات المتحدة. ولا نريد أن نسهب في قراءة الوضع أعلاه، فلا تزال الولايات المتحدة لم تظهر ملامح واضحة ومحددة لادوار العراق القادمة، والموارد العراقية على علاتها مشترطة بالسلوكيات الأمريكية. والفكر السياسي لأغلب القوى/ المواطنين يقع في أما أسوأ الاحتمالات(تقسيم العراق)، أو ما تفضله الولايات المتحدة (إعادة بناء العراق كقاعدة أمريكية متقدمة). فهل يتوقع أن تتوافق القوى السياسية/ المواطنون على قاعدة التنازل عن بعض مكتسبات الأمر الواقع لصالح عراق لكل العراقيين من دون إقصاء(ونحن نحمل كلمة إقصاء كافة المعاني التي يفهمها أو يريد أن يفهمها العراقي،بمعنى القتل،العزل السياسي...).
واليوم، لنجعل انطلاقتنا من الأمور الآتية:
1- الولايات المتحدة تحملت اعباء سياسية واقتصادية في سبيل الإطاحة بالنظام السابق.
2- الولايات المتحدة رصدت الإمكانات لإنشاء نظام سياسي عراقي جديد .

المبحث السادس
العراق في الإستراتيجية الأمريكية:الدور القادم

كان من نتائج احتلال العراق إسقاط فرض أن الحرب قد شنت لامتلاك هذا البلد لأسلحة الدمار الشامل. وكان لعدم تحول هذا البلد إلى الديمقراطية، لمدة تزيد على السنة بعد الاحتلال، أن عزز كذلك القناعة أن احتلاله إنما كان لدواعي ومبررات غير معلنة. و قد يقودنا هذا الى القول أن النفط العراقي كان من دواعي إسقاط النظام السابق. لكن هذا ليس السبب الوحيد، إنما يقتضي الحال أن النظر إلى الخارطة الإستراتيجية العالمية لنكتشف المقاصد من وراء غزو الولايات المتحدة للعراق.
ابتدأ أن إقرار نظام حكم ديني- طائفي لا يحتمل إلا وجهان أما أن يكون ديكورا/ شكلا تابعا للولايات المتحدة، أو إذا ما كان معبراً عن تطلعات حقيقية فهو سيتقاطع مع المعايير المزدوجة التي تحملها السياسة الأمريكية. فهل ترضى الولايات المتحدة بذلك، وان جاء بواسطة الانتخاب(آلية الديمقراطية الأمريكية)؟
وفي هذا السياق يظهر متغير استراتيجي هام، فشكل نظام الحكم الذي ترحب به الولايات المتحدة سيبين الإطار العام الذي تفضله هذه القوة، في سياساتها القادمة إزاء المنطقة، وربما نوع الدور الاستراتيجي القادم للعراق.
من الناحية الجغرافية ـ الإستراتيجية، يقطع العراق ويفصل القوى التابعة/ المساندة للتحالف الغربي: تركيا ودول الخليج العربية. وهو القوة التي تقف أمام أي اندفاعه محسوبة أو غير متوقعة لإيران نحو المنطقة العربية، وبالتالي يوقف تهديدها للمصالح الغربية، وخاصة الأمريكية منها. كما يصعب تجاوزه في المعطيات الحاكمة للتوازن الإقليمي والعربي. ومما تقدم نصل الى، نتيجة مفادها وجود أهمية للعراق في بيئته الدولية .
ومن جهتها، فان البيئة العالمية تشهد تناقضات عديدة بين قواها الفاعلة:- الولايات المتحدة، روسيا، أوروبا والصين. فهذه القوى تتنافس فيما بينها وتتصارع لأجل تبوء مرتبة أفضل في سلم القطبية الدولية . ويساعدها في ذلك، أن هيكل القوة وطبيعتها الدولية ذاته في تحول. إذ كشفت مرحلة ما بعد الحرب الباردة الغطاء عن الوضع الحرج الذي تعانيه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بموقعها الدولي: بروز القوى الدولية الأخرى إلى مراتب منافسة لها على الصعد الاقتصادية والتكنولوجية وحتى العسكرية(13).وهذه القوى صارت تبحث عن منافذ لاختراق السيادة الأمريكية العالمية على النظام الدولي عبر سياسات التعاون، الثنائية(الشراكة): روسيا ـ الصين ، روسيا ـ الهند ، الصين ـ فرنسا … فضلاً عن عمل هذه القوى الدؤوب من اجل تعزيز مفردات قوتها الذاتية العسكرية، الاقتصادية، وحتى لمجالاتها الثقافية التابعة حتى يسهل عليها في وقت لاحق فرض أنموذجها للنظم والتفاعلات الإقليمية، وبالتالي للنظام والتفاعلات العالمية(14) .
وفي المقابل، تجاوزت طبيعة القوة الدولية الجديدة القيد العسكري، وأصبح بإمكان أي قوة اقتصاديةـ تكنولوجية، ثقافية؛ دون استبعاد أهمية القوة العسكرية؛ أن تؤثر على مجالات دولية واسعة إذا ما امتلكت الإرادة على ذلك. وهذا التحول قد ثمنّ موقع كل من ألمانيا واليابان في النظام الدولي. في حين أن الاختلالات في القوة الاقتصادية الأمريكية صار يعطي للولايات المتحدة مرتبة دولية غير متساوقة مع إمكاناتها العسكرية.
والتحولات أعلاه أسهمت في الكشف عن حالات التناقض والصراع في علاقات القوى الدولية الكبرى. وهذه التناقضات يمكن أن نجدها في ثلاثة عناوين، هي الاتي :-
• الاختلافات الأيديولوجية ـ الحضارية تتبنى القوى الكبرى اليوم.باستثناء الصين واليابان،الفلسفة الرأسمالية- الغربية، والحضارة المسيحية. بيد أن ذلك لم يمنع من ظهور اختلافات أيديولوجية ـ حضارية بين روسيا من جانب والغرب بشكل عام من جانب آخر. واختلافات اقل حدة بين أوروبا من جانب والولايات المتحدة من جانب أخر. وتنتهي هذه الاختلافات إلى التأكيد على كون المضمون الحضاري لمشاريع كل قوة مختلف عن نظرائه الآخرين(السيادة الأمريكية على النظام الدولي مقابل نهوض أوربا)، وفي كيفية تحقيقه، والغايات التي يتوخى إنجازها(الهيمنة الأمريكية عبر استخدام القوة مقابل المركزية الأوربية عبر استخدام إستراتيجية احتواء المجالات الإستراتيجية المهمة:المنطقة العربية، إفريقيا، وربما آسيا في مراحل لاحقة).
• واليوم تتجلى اخطر أشكال التعارض بين القوى الكبرى في منظور الأخيرة إلى اتجاهات التحول في النظام السياسي الدولي. وموقع القوة العسكرية المؤثرة في إحداث ذلك التحول فالولايات المتحدة من جهتها تحاول البقاء متمتعة بعوائد مركزها الدولي أحادي القطب، وتعطيل بروز أقطاب أخرى. فنلاحظ مثلا زيادة إنفاقها العسكري من6, 280 مليار دولار عام 2000 إلى 305 مليار دولار عام 2001؛ حسبما يورده تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI:P279)؛ وإقناع الآخرين بعدم جدوى مقاومتها عبر تعظيم عوائد التعاون (الشراكة الأمريكية الصينية، الأمريكية الروسية..). في حين تعمد كل من الصين وأوروبا عبر خطوات تدريجية متلاحقة إلى رفد قوتها السياسية بعنصر مضاف، حتى يتهيأ لها كلمة في تقرير مصير النظام الدولي وتحويله لصالحها، ومن دون تحمل أعباء وتكاليف غير مرغوبة، كما انه يصعب تجاوز روسيا الاتحادية . فهي قوة كبرى، ويمكن أن تؤثر في مجرى السياسة الدولية إذا ما وضعت على المحك، لما تمتلكه من قدرات نووية وصاروخية تأتي بعد الولايات المتحدة من حيث كمها وكيفها .
• ويظهر الاختلاف كذلك بين القوى الكبرى في المجال الاقتصادي. لقد رضيت معظم القوى الكبرى بإظهار التوافقات في ميدان السياسات الكلية، والعسكرية منها تحديداً. وكان حظ الميدان الاقتصادي من هذه التوافقات في حده الأدنى. فلكل قوة مصالحها التي تسعى إلى إعادة ترتيبها، وضمانها بشكل يتواءم وواقعها، ولهذا لم تخف كل من أوروبا، واليابان وروسيا صراحة الاتجاه نحو تطوير العلاقات مع إيران وليبيا رغم التحذير الأمريكي بفرض عقوبات على كل من يتجاوز في تعاملاته مع الدولتين حداً مقداره (استثمار40 مليون دولار). بل ولم تعمد أوروبا إلى رسم سياساتها الاقتصادية عبر مراعاة المصالح الأمريكية كما كان الحال أثناء فترة الحرب الباردة، بل أخذت تراعي عند وضع تلك السياسات مصالحها الخاصة، حتى وان انتهت إلى التعارض مع المصالح الأمريكية. وهذا ما ظهر في سياساتها الزراعية على وجه التحديد.
وهنا نتساءل، كيف كان احتلال العراق في صلب علاقات الصراع الدولي؟ وكيف ستستثمر الولايات المتحدة العراق في هذا الصراع الدولي؟ وهل من الأجدى للولايات المتحدة بناء دور عراقي إقليمي وعربي فاعل؛ بمعنى أن يكون العراق القادم خطوة تؤكد به الولايات المتحدة مركزيتها في النظام العالمي؟
إذا ما استرجعنا الأحداث السياسية المتعلقة بالعراق قبل الاحتلال سنلاحظ أن الولايات المتحدة لجأت إلى الأخذ بنظر الاعتبار الوضع الدولي، وحاولت كسب الشرعية لتغيير النظام السياسي في هذا البلد. لكن عندما أدركت أن الشرعية ليس من السهل الحصول عليها عملت على تجاوز كل من أوروبا وروسيا...واعتمدت عملية الاحتلال. وفي هذا إشارة إلى عدم الرغبة بإعطاء مكانة الندية لتلك القوى في تقرير مسائل ذات صلة بمصالح الولايات المتحدة. وفي الوقت عينه بيان الخطوط الحمراء التي يتوجب على الآخرين مراعاتها عند التعامل مع الولايات المتحدة. وإذا كان الصراع بالشكل الذي وصفنا أعلاه فان موقع العراق حيوي في الفكر الأمريكي لكونه يقع،جغرافيا، في دائرة إستراتيجية قريبة من روسيا والصين ويجعله خط دفاع/هجوم متقدم في وجه أعداء الولايات المتحدة. ويبقى على الأخيرة استثمار هذا البلد عبر بناء مكانته الإقليمية والعربية الممكنة/ المحتملة في إطار يتفق ومصالح الولايات المتحدة.
أن إعادة التأهيل يتوقف على قدرة العراق على توسيع علاقاته مع القوى الدولية الأخرى، وتصعيد قيمة أدواره في نظر تلك القوى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، احتمالات المواجهة بين القوى الكبرى عالي الكلفة، بل ومستحيل وغير مرغوب. كما أن توازن المصالح فيما بين تلك القوى يجعل توجهاتها الإستراتيجية-العسكرية محكومة لصالح تطوير علاقاتها البينية العامة. وتحكم في الوقت نفسه سياساتها الكلية عبر تصعيد قيمة الأرباح والمزايا النهائية .
وهذا ما يجعل القوى الكبرى تبقي تناقضاتها المتبادلة.للحد الحرج المطلوب الحفاظ عليه، وعدم التصعيد أكثر منه. وهذا ما تفهمه تلك القوى في علاقاتها المتبادلة. وتعمد كذلك إلى إظهار توافق ظاهري استراتيجي/ تكتيكي عبر القبول بمنافع الحد الأدنى الحرج في سياساتها حيال البعض والقبول من جهة أخرى باكلاف ذلك التوافق. فأين موقع العراق أذن في هذه المعادلة؟
أن القوى الكبرى تلجا غالباً إلى استثمار النظم/ الدول الإقليمية بقصد توسيع مجالات نفوذها وسحب ميادين الصراع بعيداً عنها. وباحتلال العراق فقدت روسيا والاتحاد الأوروبي والصين قوة إقليمية كانت بعيدة نوعاً ما عن تدخلات الولايات المتحدة. بل وسيصبح ضامنا لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. لقد أثبتت السنوات السابقة أن الولايات المتحدة استطاعت إبقاء التناقضات مع القوى الأخرى دون مستوى الخلاف السياسي الصريح والواضح. ولا يتوقع اليوم أن تتغير الصورة، طالما أن تلك القوى لا تملك الإرادة ولا القوة على المواجهة خارج دائرة الخطاب السياسي. بل أنها تظهر بين الحين والأخر أن مصالحها الحيوية ليست عرضة للتأثر بالتناقض الموجود بينها. ومن ثم فهي ترتقي عليها حتى يتم مناقشة وضع العراق الدولي، وتستجيب لمقتضيات المصلحة الأمريكية في تصريف أوضاع هذه الدولة(العراق) مقابل الحصول على بعض التنازلات الأمريكية. وهذا الأمر ينطبق على الصين، وأوروبا كما ينطبق على روسيا. فالأخيرة تعرف الخطوط الحمراء للولايات المتحدة في قضية العراق، ولا تعمد إلى تجاوزها.
بعد كل ما تقدم، هل ستسمح الولايات المتحدة بان يتزعزع استقرار العراق، أو أن يقام نظام سياسي فيه يتعارض مع مصالحها؟(15).

الفصل الثاني
العلاقة العراقية - العربية
قراءة مستقبلية

لم تستقر العلاقة العراقية– العربية على حال واحد في أنساقها واتجاهاتها، فتعلية الاعتبارات القومية عراقياً جعل العراق يبدو كمركز للتفاعلات العربية الفاعلة حتى قبيل انتهاء الحرب الباردة – وان كان يوجد له خلاف مع كل من سوريا وليبيا آنذاك. وبعد دخول القوات العراقية إلى الكويت في أب 1990، قبل العرب على مضض القرارات الدولية التي عزلت العراق عن المحيط الخارجي. وساهم بعضهم في تكريس واقعة العزل .
ثم شهدت الساحة العربية تحولاً آخر في النصف الثاني من العقد السابق، إذ تصاعدت المؤشرات الايجابية(دعاوى بعض الرسميين العرب لرفع العقوبات عن العراق، دعم دعوة الأخير لحضور اجتماعات القمة العربية...) ونتساءل هنا، لماذا ذلك التحول ؟واليوم بعد أن كبلت إرادة العراق في تنفيذ الفعل المستقل وعدم حدوث طارئ على نظام العربي أو الإطراف الرئيسة، وأين يمكن إن يستقر الحال بالعلاقة بين الطرفين؟
تاريخيا لم يعرف النظام العربي حدوث نقلات ايجابية ومستقلة، ألا فيما ندر. فالاختلافات وعدم الاتفاق العام سمة العرب. كما تعلم بعض الرسميين العرب استلام الأوامر من جهات خارجية البعض منه صريح والاخرمخفي، سواء ما تعلق منه بعلاقاتهم العربية أو الدولية ، أو الاثنين معاً-هذا مما ساعد(بعد التغيير السياسي الذي حصل في العراق)على جعل خطاب التيارات القطرية والطائفية في هذا البلد فاعلاً على حساب تزايد ضمور الخطاب القومي الذي كان لسوء استخدامه في العراق أن أدى إلى كارثة وقوع البلد تحت السيطرة الأمريكية.
ونرى اليوم، أن أجمالي التحولات التي تشهدها العلاقة العراقية – العربية تأتي في وقت يعيش النظام العربي بشكل عام تبعية للنظام العالمي وقواه الفاعلة. وهذا ما يفرض على العراق(خطابا هو رفع مصالح العراق، وان كان البلد مسيراً أكثر منه مخيراً) ضرورة إعادة صياغة دقيقة لموقع المنطقة العربية في سياساته واهتماماته(في إطار الممكن أو حتى المحتمل).

المبحث الأول
أزمة العلاقة العراقية العربية

حتى نستطيع إيجاد تصور مقبول لما سيكون عليه حال العلاقة بين العراق والعرب سنرجع خطوة إلى الخلف لنرى ما هي أسباب تراجع الاعتبارات القومية في أولويات القوى السياسية العراقية، فإبتداءً، يلاحظ:
1. على الصعيد العربي، أن النظام العربي يعاني من الانكفائية. ولم تظهر فيه ملامح الصحوة للواقع العربي، ولمقتضيات استمراره أو احتمالات تقدمه الممكنة. وصرنا نجده يراوح على صعيد سلوكه الجماعي، فعلاقاته البينية تتسم بقدر من الفوضوية واللاإنتظام: نزاعات حدودية، مواقف سياسية متعارضة، عدم الاتفاق على جدوى القيام بالتعاون الاقتصادي...
2. على الصعيد الدولي،كما صارت المنطقة العربية ساحة نفوذ للقوى الدولية المتطلعة لأداء ادوار فاعلة على صعيد السياسة الدولية: الاتحاد الأوربي، روسيا...والتي تنتهي في الغالب إلى المزيد من التفتيت وعدم التوافق للسياسات العربية.لقد فقد النظام توازنه وفاعليته بعد عام 1990، ولم يستطيع استيعاب العراق، وإعادة دمجه في تفاعلاته، بل أمعنت أطرافه وتواطأت في تدمير قدرات هذا البلد.واستمر العرب في الترقب، والانصراف عما سيؤول إليه حال العراق. وعندما اخذ الشارع العربي يضغط على الرسميين العرب من اجل إظهار الدعم للعراق في مواجهة الهجمات الأمريكية ولرفع العقوبات الاقتصادية عنه، ظهرت مبادرات عربية خجولة (خطاب سياسي يشير إلى عدم نجاح الحلول العسكرية ) مرتبطة بإرضاء البيئة الدولية في اغلب الأحيان، ودون استدراك نتائج ما يعنيه بقاء العراق خارج دائرة الحال العربي: إذ صار بقاء وضع العراق بؤرة لتوليد أزمات متكررة تهدد امن واستقرار المنطقة،الهش في الأصل.
3. يترافق مع ذلك(على الصعيد العراقي) إن النظام السياسي السابق في العراق قد أعطى أولوية للقضايا القومية، وفي أحيان على حساب أولويات الداخل. وكان هذا التخصيص متغير زاد في قوة خطاب القطريين العراقيين والطائفيين فيه، والإنتقاصة من خيار تفعيل علاقات العراق عربياً، طالما أن حال العرب على ما هو عليه.
ويمكن القول إن الأزمة العربية ككل، وعدم توافر الاستعداد العربي لمعالجة الوضع الدولي للعراق طول الفترة 1990-2003، ومحاولات تغيب الطرح القومي في سياسات العراق المقبلة، وفق تصورنا تعزى إلى عنصرين هما:
• القصور العربي في الإيفاء بالالتزامات القومية:- غياب الحوافز إذا ما نظرنا إلى الموقف العربي من دخول القوات العراقية إلى الكويت في أب 1990 سنجد إن ضعفه قد قاد إلى تدويل الأزمة، ودعوة الولايات المتحدة لممارسة ادوار فعالة في التعامل مع تداعياتها المختلفة، ولم يستطيع العرب من بلورة سياسات ايجابية تتوافق ومقتضيات المصلحة الكلية في احتواء العراق عربيا(16).
وفي الوقت الذي تحرك فيه معظم القوى الدولية نحو العراق، وأظهرت التعاطف مع الوضع الإنساني لشعبه وجدنا بطأ في التحرك العربي المتأخر أصلا، ولا نريد القول انه قد جاء لاحقاً على تطبيع البعض لعلاقاته مع إسرائيل أو الولوج في عملية تسوية معها لإنهاء حالة الصراع.
وبتصورنا فان التوجه العربي العام إزاء العراق كان انعكاساً لغياب الحوافز أو اقيامها في مدركات النظم الحاكمة، وبدلا عن ذلك إعطاء تثمين عالي للعناصر الخارجية في صياغة علاقاتهم البينية والدولية(17)، كما أن العراق واجه الولايات المتحدة، والوقوف الرسمي إلى جانبه يعني عملياً مواجه العرب للأخيرة، و هذا الخيار لإيجد العرب الإرادة أو الاستعداد لتقبله. وفي أطار غياب الحوافز في العلاقات العربية، فماذا يتوقع أن يكون سلوك النظام السياسي العراقي القادم(القوى السياسية الطامحة في الوصول إلى السلطة في العراق) إزاء هذه العلاقات؟
• كما أن هناك ارتباك شبه دائم في مسار العلاقة العراقية – العربية، وهو ما يمكن إرجاعه إلى كون اغلب السياسات العربية والعراقية يتم بكونه صورة شخصية- كيفية، ومثل هذا التسيير جعلها تتعرض للتقلب غير المسوغ عقلانياً، ناهيك عن تعرضها بشدة للتأثير الدولي، لغياب الأساس الموضوعي عند صنع اغلب تلك السياسات. فلا تولي هذه السياسات حصانة للمؤسسات وللمصالح العربية الكلية طالما إن الشخص الحاكم يساوي المؤسسات القائمة ويعرف مصلحة الدولة ويحددها، بل ويعادل وجود الدولة نفسها(18).

المبحث الثاني
مستوى الاستقلالية في العلاقة العربية
(تأثير المتغير الدولي)

قد تكون رؤيتنا في أعلاه تحمل قدراً من التشاؤم، لكن استقراء حال العلاقات بين إطراف النظام العربي توضح ذلك بدرجة أو أخرى. والأنموذج الذي نتحدث عنه هنا، اقصد العلاقة العراقية- العربية، يبين ذلك بوضوح. ولما كانت السلبية هي التي تطبع المواقف العربية تجاه بعضها، فان هذا كان من شأنه إن يعزز من قوة موقف القوى الدولية تجاه المنطقة (دول/ أحداث) وفي العموم، علينا تذكر أن هناك أسباب عديدة تجعل القوى الدولية تتحرك صوب المنطقة العربية، والتأثير في علاقات دولها وإحداثها. فالمنطقة تتيح لمن يسيطر عليها، أو يخضعها إلى نفوذه إن يتقدم باتجاه مرتبة دولية ارفع، أو حتى بلوغ مرتبة القطب الدولي، طالما إن الارتقاء إلى مراتب مقصودة، وبضمنها مرتبة القطب الدولي، تتطلب توفر إمكانيات كبيرة، وإرادة عالية تتوافق مع حجم الالتزامات المترتبة عن تلك المراتب، فنجد:
1. إن المنطقة العربية تصدر سنويا موارد هائلة للعالم الخارجي، وتكاد تكون بلا عائد في الغالب: 35% من الاستهلاك العالمي للبترول، استثمارات سنوية، رأس مال بشري وكفاءات من الصعب تقديرها أو حصرها، وهذا ما يفسر أسباب حرص الولايات المتحدة على التمتع بالحظوة في السياسات العربية البينية والدولية. وحرمان الآخرين من مشاركتها تقاسم الموارد العربية أو التأثير فيها.
2.كما وتعد المنطقة العربية مجالا ًمفتوحاً أمام القوى الكبرى لبيان قدرتها على تأدية ادوار دولية فاعلة، طالما أن فرص استمرار الأحادية لعقود قادمة تبدو ضئيلة، وما يتيحه ذلك من اكتساب سمعة تضيف إلى رصيدها القبول والاستحسان عند أداء ادوار لاحقة، وهذا ما يتيح للبعض منها تجاوز حالة الندرة الراهنة للأدوار السياسية الدولية الفاعلة. أوربا مثلا، أو حتى الصين مستقبلا، مقارنة بادوار الولايات المتحدة.
ومن جانبه ينظر المجتمع الدولي، وخاصة قواه الفاعلة، إلى العراق باعتباره دولة غير مستقلة، ولا يزال مستقبلها غير واضح....والخيارات التي يمكن أن تستقرعليها تبدو واسعة وأحيانا متناقضة: العزلة عن التفاعلات الدولية أو سيادة النزعة العسكرية في تعاملاته الإقليمية والعربية،بمعنى أن يكون قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة، أو المشاركة الجادة والايجابية في التفاعلات الإقليمية والعربية وإعطاء حيز أضيق لعلاقات الصراع، ويتوقف الأمر على إعادة تعريف المصلحة الوطنية العراقية. ومن يقوم بذلك؛ دون إن ننسى، انه طالما العراق في دائرة التأثير السياسي الأمريكي، الولايات المتحدة تعمل على إعادة تأهيل دوره الدولي عبر بواباتها، لا عبر البوابة العربية.
في المقابل، لم يصل العرب إلى وضع من يمارس التأثير على الإطراف الأخرى، وهنا ليست المشكلة متعلقة بتوافر الإمكانات من عدمه بقدر ما هي مرتبطة بتغيب الإرادة عن تأهيل الإمكانات لصالح القضايا العربية: مستقبل القضية الفلسطينية، احتمالات التسوية للصراع العربي- الإسرائيلي، الوضع الدولي للعراق للفترة 1990-2003، مشاكل التنمية... ويلاحظ إن بعض الرسميين العرب قد انكفئ على فرض مفاده تأمين بقائهم الحالي في الحكم عبر تأكيد التزاماتهم لصالح حماية مصالح القوى الكبرى في المنطقة. ومهما قيل حول جدوى هذا الفرض في تحقيق غايات أولئك في البقاء على سدة الحكم، وتمشية سياستهم الخارجية، فأنها قد تجاوزت كافة الاعتبارات القومية، وتمحورت حول نزعات قطرية ضيقة جدا، ومتنافسة. وينتهي هذا الوضع إلى أن ما يصنعه العرب من مستقبلهم اقل مما يصنع لهم، فالعرب لم يستطيعوا مساي السياسة الدولية ويعيش نظامهم الإقليمي درجة عالية من الاختراق من قبل القوى الكبرى والإقليمية.
وصار العنصر الخارجي ذا تأثير قوي في صياغة العلاقات العربية – العربية والعربية-الدولية. فمعظم الدول العربية اليوم لا تعمد إلى تحرير أفعالها وإطلاقها ما لم يكن هناك تقبل دولي- أمريكي، يرخص ممارسة هذا الفعل أو ذلك والأدوار المرتبطة به. ولننظر مثلاً إلى السياسات العربية إزاء العقوبات المفروضة على العراق، طوال العقد الماضي. فهل كان العرب مهتمين بأخلاقيات دولية، عانوا الكثير من جراء تطبيقها بازدواجية. ومن جراء التعسف في ممارسة حق (مقاضاة العراق عن دخوله إلى الكويت)، في حين لا تزال إسرائيل في حل منه (أي في حل من المقاضاة عن احتلالها لأراضي عربية)؟
أما العراق، في عهد النظام السابق، فقد اخذ يعمد إلى تصريف سياساته بهامش مبدئي اقل، ساعد على ذلك التحجيم الذي لحق بإمكاناته، خاصة العسكرية منها، وجعل قدرته على تنفيذ خطابه السياسي- ألايديولوجي وطموحاته في أدني مستوياته، بل ويتم تجاوزها في بعض الأحيان. و للنظر مثلاً للتحول في العلاقة العراقية- السورية، وتجاوزها لبعض المحددات التاريخية والخلافات العقائدية. واليوم، زال الهامش المبدئي في سياسات العراق الخارجية، وصارت قدرته على اتخاذ قرارات سياسية خارجية مستقلة غير مؤكدة، بفعل وجود القوات الأمريكية على أراضيه.
وفي الحالات أعلاه: قوة الموقف الدولي-الأمريكي إزاء المنطقة العربية وعلاقات دولها البينية، وضعف الموقف العربي وترديه، قد جعل درجة الاستقلالية في العلاقة العراقية – العربية ذات مستوى واطئ ويكاد لا يذكر في أحيان أخرى، وخاصة بعد وقوع العراق في دائرة التأثير السياسي الأمريكي، ولننظر مثلاً إلى استجابة العرب للسياسات الأمريكية نحو العراق، فدرجة تحرر تلك السياسات ولجوئها إلى كل الوسائل الملائمة لتطويع العراق في أقصى مدى، ولا يظهر العرب أي معارضة في تحديد الخطوط العريضة لما يجوز للولايات المتحدة اعتماده أو عدم اعتماده في تمرير سياساتها إزاء العراق، بل ويتمادى بعض العرب في تقديم التسهيلات للولايات المتحدة في تنفيذ سياستها تلك.
وإذا ما أخذنا فقدان العراق لاستقلاله نجد انه ينتهي إلى مخرجات تجعل البلد مرتبط بالبيئة العالمية والإقليمية أكثر من ارتباطه بالبيئة العربية:-
* استبدال نظام سياسي (مستقل)بنظام أخر يحتوي فشل الأول و لكنه يرتكز على طاعة الولايات المتحدة. وفي هذا الحال ليس على العراق ألا الإذعان تحت مسوغات وذرائع الأمر الواقع، وهذا الأمر يفقد العرب (القوميين) الثقة بموقف العراقي.
* احتلال العراق يجرد العرب من عنصر قوة أساسي ويظهر تفوق إسرائيل على الدول العربية، باعدها القوة الإقليمية الكبرى.وبالتالي فلا جدوى من اتجاه هذه الدول عامة على تطوير علاقاتها البينية مع العراق؛ في إطار احتساب علاقات القوة العربية.
* السيطرة على موارد العراق من قبل جهات ليست عربية، وتحويله إلى دولة مرتبطة بتعاملات الكلفة والمنفعة مع البيئة الخارجية، ويبتعد عن دعم التعاملات القومية في المدى البعيد.
وعلى خلاف معظم المواقف السياسية الغربية السابقة تجاه العراق جاء الموقف العربي من الاحتلال بعد تأكيد موقف روسيا الاتحادية منه، وحرمان العرب من السوق والبترول العراقيين، (فالعرب كانوا قد قدموا تسهيلات، أو عدم الممانعة باحتلال الولايات المتحدة للعراق). ورأت الدول العربية بأنه لا عائد يذكر ولا فائدة يمكن أن تحصل عليها من الاستجابة المباشرة لشكل التغيير السياسي في العراق. وبدرجة أدنى جاء إظهار موقف عدم الدعم الصريح والمباشرة لشكل التغيير السياسي مناسبة لترضية جانب من مشاعر الشارع العربي المعادي للولايات المتحدة، أكثر منه تعبير عن رغبة حقيقية في إظهار مواقف مستقلة.


الفصل الثالث
العلاقة العراقية - الأمريكية إلى أين …؟
رؤية في إمكانات التعاون واحتمالات جعل العراق قاعدة عسكرية أمريكية دائمة

في ظرف السيطرة السياسية الأمريكية على العراق قد يطـرح البعض تساؤلا مفاده هل توجد علاقة بين العراق والولايات المتحدة ؟
إذا ما انطلقنا من حقيقة كون أي علاقة هي عبارة عن حاصل لمتغيرين اثنين هما:-
o رؤى متبادلة يعطى خلالها الطرفان/ الأطراف أهمية لبعضهم البعض،
o وتتجسد تلك الرؤى في تبادلات عدة تضعها على ارض الواقع. سواء كانت التبادلات السياسية اقتصادية أو عسكرية أو ثقافية أو جميعها؛ عدائية كانت أم سلمية.
عند هذا المستوى نقول انه توجد علاقة عراقية – أمريكية، وإعادة التصفح لمساراتها تبين كيف إنها قد انتقلت من إدخال كل طرف الطرف الآخر في حساباته السياسية وعند صياغة أولوياته باعتباره طرفا مؤثرا عليه؛ إلى كون هذه العلاقة باتت تمثل تحديا استراتيجيا لصناع القرار فيهما.
ماضي العلاقة العراقية –الأمر الراهن، أشار إلى سيادة النهج العدائي، وكان احد الدوافع إلى اعتماد الولايات المتحدة لمسلك تقويض النظام السياسي في العراق والإتيان بحكومة سياسية وقوى لا تكن في اقل تقدير العداء لها، وفي ضوء الضغوطات التي تواجه الولايات المتحدة،والتي دفعت إلى إنهاء الاحتلال رسميا وتعويضه بوجود سياسي فاعل، نحاول استقراء المستقبل الشائك في هذه العلاقة. ونرى أن معطيات الوضع الدولي الراهن، إضافة إلى الوضع الداخلي في كل من العراق والولايات المتحدة، تقضي منهما بناء علاقتهما على مرتكزات ثابتة نسبيا. وفي هذا الصدد لانعدم أي افتراض قابل للتحقق. ولهذا نقترح عدة مشاهد بدأ بإمكانية حدوث تعاون عراقي– أمريكي واسع (رغم عدم تكافؤ الطرفين)، وانتهاء باحتمالات جعل العراق قاعدة عمليات عسكرية من قبل الولايات المتحدة.
وسنسعى هنا إلى الإجابة عن تساؤل مفاده ما هو المستقبل الذي يمكن أن تستقر عليه العلاقة بين العراق والولايات المتحدة؟

المبحث الأول
الوضع الراهن للعلاقة العراقية – الأمريكية

قبل التغيير السياسي الذي جرى في العراق/2003 قامت العلاقة المتبادلة بين العراق والولايات المتحدة على التعسف الأمريكي في تصوير وضع العراق الدولي بكونه " الدولة العدو " لمصالح الولايات المتحدة(24)، وهذا ما يبرر استخدام القوة ضده.رافقه محاولات أمريكية مستمرة لثنيه عن تنفيذ أهدافه، وتغيير نظام حكمه .
ودخل العراق، من جانبه، معترك/ ميدان مقاومة السياسة الأمريكية الموجهة إزاءه، هذا ما جعل الصراع والصدام بين الدولتين حقيقة من الصعب إنكارها.
لقد بدأ تبلور هذه العلاقة في ذلك الشكل منذ عام 1972، عندما قام العراق بتأميم نفطه. والفوائد المترتبة عن بيعه للبترول في السوق العالمية تعطي صدقية اكبر للنظام في تنفيذه لأهدافه، وتطلعاته في الاستقلالية والتنمية الشاملة وبناء دور إقليمي وقومي فاعل .
وتاريخيا، قامت فلسفة السياسة الأمريكية على عدم تحبيذ وجود قوى كابحة أو طاردة للمصالح الأمريكية، ومحاولات مستمرة لاختراق النظم الأخرى وفرض الهيمنة عليها، وإبقاءها في وضع ذيلي تابع. لهذا عندما أعلن العراق عن تأميم نفطه رأت في ذلك أهدافه، تصحيح علاقات القوى الإقليمية والعربية، وإعادة تشكيل للخارطة السياسية للمنطقة بأكملها. وفي ذلك تماس واسع مع مصالح الولايات المتحدة. ويؤكد ذلك امتلاك العراق لأيديولوجية داعية إلى التحرر القومي، وهذا ما دفعها إلى كن العداء للعراق، وإظهاره في أحيان أخرى، وممارسة أساليب شتى في الضغط عليه بغية تحويله عن أهدافه، أو تعطيل تنفيذها. وبضمنها أسلوب استثمار، شبكة علاقاتها في المنطقة: إيران مثلا، الأمر الذي دفع العراق إلى مقابلة هذه السياسة بالعداء للمصالح والسياسات الأمريكية المتقاطعة مع طموحاته القومية والوطنية. ومحاولة توليد محور عربي معادي للمصالح الأمريكية، ويحاصر حلفائها في المنطقة ويعزلهم.
وخلال العقد الماضي لم تختلف العلاقات المتبادلة بين الدولتين عن الوصف الذي ساد المراحل السابقة. فالأزمة التي حدثت اثر دخول القوات العراقية إلى الكويت.1990، جاءت لتنهي مدة التوافق المؤقتة في علاقات الدولتين " 1982-1988 "، والتي لم تكن لها جذور عميقة في سياستيهما إزاء بعض بقدر ما عبرت عن رغبة أمريكية في عدم الدفع بالعراق اضطرارا نحو الاتحاد السوفيتي آنذاك، بعده الخيار الوحيد الموجود أمامه. قابلتها رغبة عراقية في توسيع دائرة الدعم للفعل الحربي ضد إيران، أو في الأقل تحييد الولايات المتحدة في تلك الحرب .وانتهاء الأعمال الحربية بين العراق وإيران كشف عن عمق الاختلاف بين الطرفين، فالولايات المتحدة باتت في وضع القوة العظمى الوحيدة في العالم، أما العراق فأخذ يبحث عن فرصة حقيقية لإعادة البناء الداخلي، والنهوض بالإمكانات الذاتية إلى مستوى الدور الذي تطمح قيادته بتأديته، وهو دور يقوم على مقدار من التحرر غير مرغوب به أمريكيا. لهذا لم يكن مستبعدا تقاطعهما، بل ازداد التصعيد اثر إظهار الدولتين المتحدة، ثنايا خطابهما السياسي و تبادل الاتهامات ، والتدخل في شؤون العراق الداخلية، وأزمة أحداث عام 1990 كشفت عن تحول جوهري في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وقبلها بفترة قصيرة رفض العراق الاستجابة لضغوط الولايات المتحدة بالتخلي عن قدرات التدمير الشامل التي استطاع الاستحواذ عليها أو تملكها. فما كان يشغل اهتمامات الجانب الأمريكي هو إعادة صياغة وضع العراق الدولي المستقل وتصغير/ تحجيم إمكاناته إلى المستوى الذي لا يهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة(25)، وجاء تراجع حدة الحرب الباردة، وانكفاء الاتحاد السوفيتي عن دعم القوى المقاومة للسياسات الأمريكية أعطى للولايات المتحدة الظرف الملائم لتنفيذ هذا الخيار، وجاءت أحداث أزمة 1990 لتقدم الذريعة المناسبة وتبرير لسياساتها إزاء العراق. ونعتد بهذا الرأي كون الولايات المتحدة لم تكتف لاحقا بإخراج القوات العراقية من الكويت ، وفقا لمرجعيات قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالأزمة، بل عمدت إلى التعسف في استخدام القوة ضد العراق، والاستمرار في تدمير قدراته الأساسية حتى بعد خروج قواته من الكويت، هذه هي بعض دوافع التحرك الأمريكي إزاء العراق،وإخضاعه للسيطرة السياسية،وهو القضاء على عنصر الاستقلالية في هذا البلد. وهذا ما يتضح في ستة مجالات تشكل أهم القضايا الراهنة للعلاقة بين الدولتين وهي كالآتي:-
• إعادة الأعمار، وتحديد الولايات المتحدة نحو 18 مليار دولار لدعم مشاريع إعادة الأعمار في العراق.
• مراقبة دول الجوار، وتحديدا إيران، التي يتوقع أن يكون العراق قاعدة لتغيير النظام السياسي الحاكم فيها،أو تغيير نهجها السياسي.
• التعامل مع القوى العراقية المعارضة للوجود الأمريكي في العراق،وحالات العنف المنظم العابر للحدود.
• بناء النظام التعليمي في العراق على وفق الأنموذج المرغوب أمريكيا.
• حقوق الإنسان،حيث تعمل الولايات المتحدة على تأصيل احترام الحكومة العراقية لمواثيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفقا للمنظور الغربي.
وفي ضوء العرض السابق نتساءل هل هناك فرصة لحدوث تطور طبيعي في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة، أم أن احتمالات جعل العراق قاعدة للعمليات العسكرية الأمريكية لاتزال هي السائدة في بيئة هذه العلاقة؟

المبحث الثاني
كوابح تطور العلاقة

هل يمكن أن يحدث تعارض بين أهداف وسياسات العراق والولايات المتحدة ،وهل يمكن أن تثار مسألة الثقة بين الطرفين؟أن المعطيات الواقعية الراهنة والجذر التاريخي الذي سيطفو على سطح العلاقة كلما تم إجراء مراجعة لها، أو إعادة تقييم وبيان إمكانية تطورها، نقول أن كلاهما سيكون متغير في تحديد ذلك. فالملاحظ ان الولايات المتحدة قامت بأوسع عملية تدمير لقدرات العراق المختلفة ، لا يتوقع إعادة تأهيلها بسهولة لتكون بمستوى المكافئ لوضع العراق الدولي بداية عام 1990، ما لم يكن العراق بمستوى الطموح الأمريكي في لعب ادوار إقليمية وعربية واعدة(نيابة عن الولايات المتحدة).
ومن جانبها ، تسعى الولايات المتحدة لضمان السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية وأبعاد القوى الكبرى عنها ، نظرا لأهميتها السياسية العالمية. فهي مصدر متدفق للموارد الأولية :- البترول، ورأس المال القابل للاستثمار. ناهيك عن الكفاءات البشرية المفروض إستيعابها، أوملاحظة نتائجها العلمية والفنية في الأسواق العالمية للموارد البشرية " جامعات، مراكز بحوث، مراكز خدمية … " وأهمها السوق الأمريكية .. والمنطقة العربية سوق اقتصادية مفتوحة.
فضلا عن أهمية موقعها الاستراتيجي المتوسط لكل من أوربا الناهضة، روسيا والمنافس العالمي المرتقب" الصين ". والسيطرة عليها تتيح للولايات المتحدة قاعدة واسعة للحركة ومرونة في حالة انفلات عرى العلاقات الايجابية بينها وبين تلك القوى .
وتؤدي " إسرائيل " دور الضامن الإقليمي للمصالح الأمريكية، للضغط على مصالح القوى الكبرى الأخرى في المنطقة العربية، بما يهيئ (وأحيانا يفرض) استجابة القوى الأخيرة لمصالح وسياسات الولايات المتحدة. وهذا ما يعطي تثمين عالي لوضع إسرائيل في الاستراتيجيات الأمريكية .
والوصف أعلاه يجعلنا لا نستغرب من لجوء الولايات المتحدة إلى كبح جماح أي دولة تتعارض مصالحها وسياساتها مع نظيراتها الأمريكية في المنطقة العربية، وتحد من حريتها في الهيمنة على هذه المنطقة . وبالضرورة فان العراق ومنذ السيطرة السياسية عليه داخل ضمن هذا التفسير، وللأسباب الآتية :-
o أصبحت اهتمام الإدارة الأمريكية وارد العراق داخل دائرة السيطرة أو التأثير الأمريكي وهذا يعني غياب لمنافسيها في استحصال الامتيازات من السوق والموارد النفطية العراقية.
o وما يثير اهتمام الإدارة الأمريكية هو عدم إعطاء العراق اليوم وزنا خاصا للاعتبارات الأيديولوجية والقومية في صياغة وتنفيذ سياساته.خاصة الموقف من الوجود الأجنبي – الأمريكي في الخليج، والموقف من القضية الفلسطينية.
o ويضاعف من تقدير اثر السبب متوافرة بالنظام السياسي الحاكم في العراق سيخضع في تشكيله الدائم لرضى أمريكا.
كما ويلاحظ أن الثقة ستكون متوافرة بين قيادتي البلدين. لذلك سيكون النظام السياسي في العراق لديه استعدادا لتقبل سياسات أمريكية تضع في اعتبارها احترام مصالح الولايات المتحدة. ولا نتوقع حدوث تحول جذري في نهج هذه السياسات طالما أنها تهدف إلى الاستحواذ على البترول العربي، وضمان دعم إسرائيل. والأكثر من ذلك أن السلوكيات الأمريكية تشير إلى صعوبة ترك الولايات المتحدة أصدقائها من العراقيين يسقطون، أو تقوم بإسقاطهم بعد نفاذ فاعلية الأوراق التي لديهم. فالولايات المتحدة لاتقيم وزناً لعلاقات الصداقة بقدر ما تقيّمه لعلاقات المصالح. وهذا بدوره يهيئ أرضية مناسبة لدى تلك القوى العراقية(الراغبة في حكم العراق وعبر أي سياسة كانت) للتحول صوب إقامة علاقات تعاونية دائمة معها.
في حين لا تجد الإدارة الأمريكية في خطاب معظم القوى السياسية العراقية السياسي الإيديولوجي– القومي ما يتعارض مع مصالحها حتى القوى المحسوبة على التيار الطائفي فهي قد أخذت منها التزامات كافية لتجعلها تعمل في الساحة العراقية. تبقى هناك مسألة هي إذا ما أتيحت الموارد اللازمة للعراق فلا توجد ضمانات أكيدة يمكن الركون إليها في عدم تحوله إلى القوة المقاومة والعراقيون معروفون في المنطقة العربية ككل. والسوابق التاريخية على ذلك موجود عندما رفض الاستجابة لضغوط الولايات المتحدة بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل بداية عام 1990 – والعراقيون بشكل عام على نفس النسق من التفكير، بدرجة أو أخرى.
كما لا يتوقع أن يرتضي العراق بالحيف الذي لحق به جراء تسويات أوضاع ما بعد حرب الخليج 1991، خاصة المتعلقة بحدوده مع الكويت، ونظام التعويضات المالية.فكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذه المسائل؟

المبحث الثالث
فرص التطور الايجابي أمام العلاقة بين الدولتين

لقد ضاعف من تأثير الكوابح أعلاه الضغوطات التي تقوم بها بعض القوى الدولية والعربية على الإدارة الأمريكية بغية منح العراقيين درجة استقلال سياسي اكبر. ومع ذلك، فان هذا لا يمنع من القول بوجود عدة فرص تتيح إمكانية بناء علاقات ايجابية بين الطرفين، سواء ما كان منها متعلقا بالعراق أو الولايات المتحدة أو بالبيئة الخارجية المؤثرة على علاقتهما ببعض، فمنذ عام 2003 القوى السياسية الفاعلة في الساحة العراقية هي في الأقل غير معادية للولايات المتحدة،وهي في الغالب متمسكة بخيار الولايات المتحدة أولا ولمدة غير منظورة.
واليوم نجد أن حدود التحول الممكنة في السياسة العراقية، وذات الصلة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، تقف عند ثلاث فرضيات رئيسة، هي الآتي:-
* الاستمرارية. أي بما يفيد استمرار العراق الموائمة بين أولوية بناء الدولة داخليا، وتحقيق انفتاح محسوب ومقدر على العالم الخارجي من حيث الاهتمام وحيز تخصيص الموارد وعدم تفضيل اعتماد مسار واحد فقط على حساب الآخر. وهذا النهج لا يعني أن تكون السياسة العراقية ثابتة ومستمرة على الأسس التي وضعتها الولايات المتحدة منذ منح العراقيين هامش حركة، بل أن ضرورات تقدير المزايا والكلف المترتبة عن اعتماد المسارين: التوجه نحو الداخل والانفتاح على الخارج؛ في إطار بيئة دولية متغيرة ومطالب إعادة الأعمار الداخلية المتصاعدة ؛ تدفع نحو جدوى اعتماد المرونة في تنفيذ أهداف السياسة العراقية – في ضوء الخطوط العريضة وللاعتبارات السياسية الحاكمة. وفي ظل هذه المرونة تستطيع السياسة العراقية توسيع أدوارها الخارجية، ومن دون النكوص عن التزامات إعادة الأعمار الداخلي.
ولا يتوقع التحول عن هذا النهج إلا إذا حدث ميل وتطلع لتنفيذ ادوار إقليمية وعربية واسعة، أو الميل نحو استثمار الإمكانات المتاحة داخليا ، بمعنى اللجوء إلى العزلة .
* العزلة عن العالم الخارجي. وفيه ستلجأ القوى السياسية إلى وضع الاهتمام والإمكانات المتاحة في تلبية مطالب وطموحات داخلية في إعادة البناء دون سواه. والتحول نحو هذا الخيار ذا شقين :-
- أما أن يكون نتيجة إدراك القوى العراقية عدم حدوث تحولات أساسية في مواقف البيئة الدولية إزاء القضايا المصيرية في العراق (الوحدة الوطنية، إعادة الأعمار، الديون والتعويضات...) وهذا الأمر يحجم الإمكانات المتاحة لتلبية متطلبات إعادة الأعمار و البناء الداخلي المتسارعة النمو. فلما كانت سياسة خارجية فاعلة وجدت لخدمة مقاصد داخلية فان تحول هذه العلاقة إلى عملية استنزاف للموارد الداخلية لحساب فاعلية خارجية يصبح عملا غير مجدي.. ومن ثم فلا مناص من تقليص حجم الالتزامات الخارجية المكلفة لصالح الداخل.
- أو قد يكون اعتماد خيار العزلة نتيجة مقدرة ومحسوبة للدفع ببناء الدولة نحو الأمام،أي تحقيق أقصى تماسك للوحدة الوطنية عبر رصد واستخدام كافة الإمكانات المتاحة لهذا الغرض، والتقليل من ضغوطات البيئة الدولية.
وفي كلا الحالين ستبقى العلاقة مع الولايات المتحدة محافظة على أطرها،إلا أن دور العراق الدولي في هذه الإستراتيجية سينتفي وفقا لهذا المشهد.
* الاندماج بالبيئة الخارجية. بما يعنيه ذلك من رصد للإمكانات لصالح المشاركة المؤثرة في التفاعلات الدولية .
وتسعفنا الاتجاهات الأكاديمية والعملية بالقول أن فرض العزلة صعب التحقق على الرغم من نجاحه مرحليا في إعادة تأهيل المجتمع العراقي (تماسكه) ، ولسببين :-
- أولهما، لا توافر على إمكانات كافية تتيح له أن يكون بمعزل عن تأثير معطيات السياسة الدولية الراهنة والمحتملة، أو الاكتفاء ذاتيا.
- وثانيهما،عدم جدوى تجاهل حركة التغيير الجذري والسريع في العالم، سيما وان هذه الحركة تنطوي بالضرورة على فرص وكوابح يعد الاستفادة من الأولى واحتواء الثانية ضروريا للعراق .
وهنا، قد يندفع العراق نحو العالم العربي مستثمرا (خطوات ايجابية جيدة) في مناخ الصحوة والتقارب العربيين بقصد تحقيق أقصى دعم له. لننظر مثلا التحول في العلاقة إيجابا مع دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن البيئة الإقليمية ليست اقل منفعة للعراق، إذا ما استطاع كسبها لصالحه، أو تحييدها. فالعالم العربي والبيئة الإقليمية(تركيا وإيران) هما مجال العراق الحيوي، ومنفذه نحو العالم الخارجي.
أو قد يذهب تفكير القوى السياسية في العراق إلى جدوى تحقيق الانفتاح على العلاقات مع القوى الكبرى، على حساب عدم جدوى اعتماد الخيار العربي والإقليمي، بما يعنيه القفز على البيئة المجاورة من تقديم لبعض التنازلات التي تتطلبها لغة الحوار والمفاوضة مع القوى الكبرى، والدخول في تفاعلات متعددة معها، ولننظر إلى فتح باب للحوار مع حلف شمال الأطلسي...
أو قد تعمد القوى السياسية العراقية إلى التفاعل الواسع مع البيئة المجاورة العربية والإقليمية عبر بوابة التراضي والتوافق مع القوى الكبرى. ومثل هذا المشهد افتراضي في المرحلة المنظورة، وصعب التحقق، إذ لا تسمح إمكانات العراق بتنفيذه، ولا تتقبله تلك القوى بسبب طبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة، طالما أن حجم التنازلات المفترضة ستكون عالية الكلفة، ولننظر مثلا إلى القرار الدولي 1546، وما ينتهي إليه من إعطاء حرية للعراق في التصرف ضمن دائرة الرضى الدولي عليه. ويعطي للعراق فرصة أوسع لتطوير علاقاته المدنية بالبيئة الدولية،وتحديدا في مجال تأهيل المشاريع الخدمية والبنية الأمنية والدستورية.
ونظرة إلى فروض التحول أعلاه، تبين عدم انسجام مصالح الولايات المتحدة مع فرض الاستمرارية في السياسة العراقية. فهذا الفرض يتضمن وجود سياسة عراقية لا تجعل كسب الولايات المتحدة و (تنفيذ ادوار سياسية دولية محددة لصالح الولايات المتحدة) في أولوياتها. كما انه ليس من شرائطها البقاء في دائرة الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة ستكون الأخيرة واقعة تحت ضاغط الخيار بين ممارسة الضغوط ضد العراق حتى (يستجيب) للسياسات الأمريكية. وهذا الأمر غير مرغوب داخل أمريكا. أو أن تسعى إلى دعم العراق اقتصاديا، كما تعهدت بحماية الديمقراطية الناشئة فيه، على الرغم من علمها انه سيكون هناك خيارات عديدة أمام النظام السياسي العراقي، قد يتعارض بالمحصلة مع مصالحها.
كما أن مصالح الولايات المتحدة لن تفضل اعتماد العراق لفرض العزلة.إذ يتوقع خلاله تراكم المشاعر الدينية و القومية المعادية لما هو غربي داخل العراق. كما ينذر باحتمال إعادة توزيع الأدوار إقليميا وعربيا في ظرف تغيب العراق عن العالم الخارجي. وهنا ستكون مسالة ضبط الخارطة السياسية الجديدة للمنطقة صعبة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
في حين سيجد صانع القرار الأمريكي فرصة جيدة لتطوير العلاقة مع العراق إذا ما اعتمد الأخير فرض الاندماج بالبيئة الدولية. حيث ستكون السياسة العراقية ملزمة في معظم الأحيان بمراعاة الاعتبارات الأمريكية في تعاملاتها الخارجية.وهذه تسير جنبا إلى جنب مع اعتبارات المصلحة الوطنية و السياسة الخارجية وتنفيذها. ونواحي التقارب/التعاون ستجد طريقها في كون الولايات المتحدة يعنيها كون النظام السياسي في العراق يتيح مجالا واسعا لتطوير التبادلات الاقتصادية المختلفة بأدنى الشروط والاعتبارات الضاغطة الممكنة. واستراتيجيا أن يعطى موقع العراق الجغرافي قيمة سياسية عالية للولايات المتحدة. ويدعم ذلك كله كون العراق لديه خيارات سياسة دولية عديدة، قادر من خلالها على الضغط على القوى الدولية الأخرى.
وما يساعد على تطوير العلاقة مع العراق أن إمكانات الأخير الذاتية لا تتيح له مستقبلا ممارسة ادوار فاعلة في إعادة صياغة الخارطة السياسية للمنطقة المحيطة به (فهناك التعويضات ومشاريع الأعمار الداخلية التي تستنزف معظم تلك الإمكانات). كما انه محاط بأكثر من قوة إقليمية غير صديقة: إيران وتركيا. ويجد له منافسة جدية من قبل السعودية ومصر على أداء ادوار عربية قيادية، وإزاء هذه المعطيات سيكون العراق بحاجة إلى أقصى قدر من دعم الولايات المتحدة لمواجهة أوضاعه الإقليمية والعربية، والتغلب على صعوباتها. وتبقى المسألة المدركة من قبل النظام السياسي في العراق والإدارة في الولايات المتحدة أن هناك حدود لإمكانات روسيا والصين في الضغط على العراق. إذ لا تستطيع هذه القوى جعل علاقة العراق معها على حساب علاقاته مع الولايات المتحدة، وهذا ما يجعل منفذ العراق الايجابي الوحيد على العالم الخارجي في المستقبل القريب في الأقل هو العلاقة مع الولايات المتحدة.
في مقابل ذلك، تشهد علاقات الولايات المتحدة العالمية تحولا تدريجيا من الشراكة مع القوى الكبرى إلى الصراع . فعلاقات الشراكة الحالية، تقوم على كم لا يحصى من التناقضات، التي تم احتواءها تحت ضاغط عدم قدرة القوى الكبرى الأخرى على تحمل كلف الصراع مع الولايات المتحدة. هذه الصورة تتغير باستمرار وتزداد إمكانات القوى الأخرى باتجاه القدرة على التنافس العالمي، في حين تتراجع تدريجيا قبضة الولايات المتحدة على العالم. هذه الحقيقة تدركها الأخيرة، وتسعى نحو إعادة تصميم مسرح الأحداث العالمية، وميدان الصراع المقبل مع القوى الأخرى: شبكة الصواريخ الدفاعية، وإقامة علاقات تحالف وثيقة مع القوى الإقليمية الفاعلة. فالأسلوب الأول (يجعل) إمكانية استهداف الأراضي الأمريكية من الخارج بوسائل الحرب الحديثة شبه معدوم، في حين يتيح الأسلوب الثاني توافر قواعد متقدمة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة، أو الضغط على خصومها المحتملين. يساعد على ذلك قرب تلك القوى الإقليمية من تخوم القوى الكبرى المنافسة. وهذا الأمر يعطي للولايات المتحدة قوة ردع عالية، ونقل ساحات المواجهة المحتملة إلى ميدان الخصم نفسه(26).
واستكمالا مع الصورة السابقة، أدت"إسرائيل "، وتؤدي وظيفة القوة الحليفة للولايات المتحدة. ومعطيات التحالف الحالية قابلة للاستمرار خلال الزمن الأتي. واحتلال العراق، وإسقاط عنصر الاستقلالية من قراره السياسي جاء بدوره كجزء من الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى التقليل من الخصوم، فالعراق يعد بنظر الولايات المتحدة قوة ذات ثقل سياسي يصعب تجاوزه في إقليمه، إذا ما أعيد بناء دوره. وإذا ما استطاعت الولايات أو روسيا في أحسن الأحوال ضبط سلوكيات نظامه السياسي(القوى السياسية الفاعلة المتطلعة إلى قيادة العراق) في إطار علاقات التعاون، أو التأثير الأمريكي فإن ذلك سيجعل حلقة حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم مكتملة: تركيا، العراق، السعودية، باكستان…إضافة إلى إسرائيل ومصر، وتتم بذلك عملية عزل الصين وروسيا، وربما حتى الهند .
واليوم، صارت الولايات المتحدة تواجه حقيقة مفادها جدوى البحث عن الأسباب التي تدفع القوى الأخرى إلى معارضة سياساتها، أكثر منها تقصي نتائج سياسات تلك القوى، فالدولة الحليف توجد بفعل تأثرها بالسياسات التعاونية الأمريكية السابقة لظهور حالة التعاون. وعلاقة الصراع بين الدولتين في الغالب هي محصلة لحقبة عداء مستمرة، في ثنايا سياستهما المتبادلة. والانطلاق من مشروعين متناقضين يؤدي إلى اقتران علاقتهما بخصائص الصراع الممتد: سوء الإدراك، عدم الثقة، التفاعل العدائي،اندلاع الأزمات، تكرار استخدام القوة...وللتحول صوب العلاقات السلمية يفترض أن تنتهج الولايات المتحدة منحنى مختلف عن إثارة الدول ضدها. وان تعمد إلى احترام خياراتهم ومصالحهم. وهنا فقط يمكنها سحبهم من جهة كونهم" العدو "إلى كونهم الطرف المحايد، وربما الصديق. فمصالح معظم دول العالم حقيقة قائمة في المنطقة، ولا احد يتجاوز عليها ما دامت موضوعة في إطارها الصحيح الذي لا ينتقص من مكانه ومصالح البعض، علاوة على ذلك وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى اعتماد خيار إصلاح البلدان العربية(التدخل الخارجي) بواسطة إصلاح نظام التعليم والاقتصاد والحريات.
وإذا لم تكن هناك مزايا كبيرة من اعتماد الخيار أعلاه، فانه بالتأكيد سينتهي إلى تقليل الكلف والالتزامات الواجبة على الولايات المتحدة في المنطقة. وضبط التفاعلات العربية والإقليمية بإمكانات اقل، وتوجيه الفائض الناجم عن تحويل العراق من خانة " العدو " إلى الحليف الاستراتيجي، لصالح ضبط تفاعلات مناطق إقليمية أخرى من العالم. وفي هذا تتجلى مكاسب الولايات المتحدة.
وقد يذهب البعض إلى القول بان العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية لا تقدم فرصة ايجابية أمام تصور إمكانية تطور العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق إلى مستوى الحلف الاستراتيجي الدائم. بيد انه يتم التخفيف من اثر هذا المتغير كون محرمات التعامل مع إسرائيل قد سقطت عربيا، بفعل سيادة منطق الدولة القطرية المتمحورة حول مصالحها، وبدأ تلمسها لجني فوائد علاقات إقليمية أكثر استقراراً(27). وعمليا، لن يجد العراق ساحات مواجهة مباشرة مع إسرائيل. وتبقى العلاقة بينهما صراع محدد الأبعاد لا توجد قوى سياسية وطنية راغبة في خوضه، وإنما هي في الغالب تميل إلى تحاشيه منعا لتماسها مع رأي الشارع العراقي الذي لا يتقبل وجود إسرائيل في الغالب، الأمر الذي يتيح حيز واسع لاستيعاب العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. والقفز فوقها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يتوقع أن تبدي بلدان الخليج خاصة السعودية معارضة كبيرة لتطوير العلاقات العراقية الأمريكية إلى مستوى التحالف. فالعلاقة الأخيرة لا تنتقص من مكانة البلدان الخليجية في الاستراتيجيات الأمريكية، وان كانت قد تلجأ إلى جعل علاقتها بالعراق منفذا للضغط على البلدان الخليجية، وإبقاء علاقتها الخارجية مرتهنة بالولايات المتحدة. كما أن تعزيز وضع العراق الدولي جراء علاقته بالولايات المتحدة لن يكون بالضد من هذه البلدان، فهذا قد يسبب حرجا للولايات المتحدة لا تستطيع تحمله في المرحلة الراهنة.
وتجد الولايات المتحدة ضرورة في استيعاب العراق في نطاق علاقات تعاونية إستراتيجية. فإعادة تأهيل دور العراق الدولي بات شبه حقيقة.ومعظم دول العالم، وبضمنها القوى الكبرى، تجاوزت مرحلة قبول التغيير الذي حدث في العراق إلى تطبيع تلك العلاقات، وجني فوائدها نسبيا: ألمانيا، فرنسا، الهند، وتركيا…وسيكون التساؤل المطروح أمام الإدارة الأمريكية ما هو شكل مساعدة العراق في تنفيذ أدواره الإقليمية والعربية ،ضمن الأطر المقبولة أمريكيا؟
والأكثر مما تقدم،أن مبدأ النفعية في السياسة الأمريكية قد يفتح خطوة نحو حدوث تحول في السياسات الأمريكية إزاء العراق. فالمسألة لم تعد السيطرة على النفط والسوق العراقية، إذ عليها المبادرة وفتح ملفات جديدة لا يوجد مبرر عملي من استمرار إغلاقها، وحرمان الولايات المتحدة منها.وأهمها إيجاد قوى إقليمية قادرة على تنفيذ سياسات أمريكية بالوكالة وخاصة إزاء إيران أو حتى الصين وروسيا...
وبعد هذا التقديم نتساءل، ماذا نتوقع أن يكون شكل العلاقة العراقية الأمريكية مستقبلا؟

المبحث الرابع
العلاقة العراقية – الأمريكية: المستقبل

في ضوء التقابل الحاصل بين الفرص المتاحة لتطوير العلاقة أمام كلا الدولتين، والكوابح التي تضعها في إطار حدود معينة، نرى أن المستقبل يميل لصالح إعطاء وزن اكبر للفرص، بمعنى أن احتمالات اندفاع علاقة الدولتين إلى ما هو أكثر من مجرد علاقة طبيعية، سواء كان ذلك على مستوى التطلعات لدى الولايات المتحدة والقوى السياسية العراقية الطامحة إلى لعب دور مهم في تأريخ العراق، أو على صعيد مستوى مجالات العلاقة القابلة للتطور. وهذا التقديم لا ينفي أو يتجاهل الفرض القائل باحتمالات جعل العراق قاعدة أعمال عسكرية واسعة من قبل الولايات المتحدة ضد الدول المعادية لها.
وإذا ما اعتمدنا فرضية التعاون المحدد الأبعاد في علاقة الدولتين نجد انه قد يأخذ بواحد من احتمالين:
- أولهما، اتجاه الولايات المتحدة نحو وقف عمليات الحرب الاستباقية بفعل الضغوط الدولية والداخلية وبالتالي فلا حاجة إلى توسيع التعاون مع العراق. بيد أن هذا لا ينفي القول بصعوبة الحديث عن اندفاع الطرفين نحو إقامة علاقات تعاون فاعلة. أو تذليل الكوابح.والمزايا التي يتوقع أن يحصل عليها العراق من هذا المشهد هي ضمان قبول الولايات المتحدة توفير بيئة مناسبة لتطوير علاقاته الدولية الأخرى.
والحالة الوسطية التي قد تستقر عليها العلاقة بين الدولتين (عدم وجود حاجة إلى توسيع التعاون مع العراق)، لا يتوقع أن يتم التحول عنها إلا بعد إيجاد أرضية تدفع الطرفين بالإيجاب نحو توطيد علاقتهما الثنائية، أو أن يحدث نكوص نحو توظيف العراق كقاعدة عسكرية.
- وثاني تلك الاحتمالات، هو توطيد العلاقات بين الدولتين. ويتوقف حدوث هذا الاحتمال على قدرة القيادة الأمريكية والقوى العراقية الارتقاء بعلاقتهما إلى مستوى التعاون الفاعل، والتغاضي عن الكوابح التي تحد من تدعيم علاقتهما. والاتجاه بدلا عن ذلك نحو تعزيز فرص مساحات ومجالات التعاون الممكنة بينهما. وفي هذا المشهد قد تتكبل مرونة الحركة وسعة الخيارات أمام العراق ،ويظهر الالتزام بجدوى مراعاة المتغير الأمريكي عند صنع وتنفيذ سياساته الدولية .
بيد انه يعوق حدوث التطور الايجابي السابق والاندفاع بدل عنه نحو اعتماد العراق قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة ثمة متغيرات، أهمها الآتي :-
• حدوث أزمة دولية خطيرة. تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، وتدفع هذه الأزمة بها نحو العمل على ضمان تحقق أولويات محددة: ضمان المصالح العليا للبلاد، والمحافظة على المكانة العالمية التي تحظى به . وسيكون الشغل الشاغل للسياسات الأمريكية استيعاب التكاليف الناجمة عن هذه الأزمة. والسعي لاستثمار البلدان الصغيرة الحليفة والصديقة. وبذلك لا تعطي فرصة للقوى الدولية في إظهار مواقف غير مقبولة أمريكيا. وتكون الدولة المستهدفة بإجراءات قسرية بواسطة الدول الحليفة(العراق مثلا) أنموذجا مأساويا يتعض به من قبل الغير. وإذا ما تجاوزنا احتساب قدرة العراق على تنفيذ متطلبات السياسة الأمريكية، فإن إمكانات الولايات المتحدة الراهنة، والتجربة التاريخية في استخدام قوتها تعطيها صدقية في تنفيذ هكذا خيار،أي خيار(توجيه) الحلفاء ضد الخصوم الإقليميين.
• اندلاع حرب إقليمية عربية– إسرائيلية. ومهما كانت الأسباب وراء هكذا حرب(28)، فإنها ستقود بالضرورة نحو توليد استقطاب حاد بين الولايات المتحدة و " إسرائيل " من جهة، وبين العرب والقوى الدولية الأخرى المساندة للموقف العربي من جهة أخرى.وستكون الولايات المتحدة واقفة بالضد من كل دولة عربية تعلن الحرب ضد إسرائيل.وستعمل على تحييد دور العراق الإقليمي والعربي؛ الذي يفترض أن تدفعه اعتبارات القومية والدين إلى الدخول فيها.
• إذ وجدت الولايات المتحدة أن صدقيتها بدأت بالتفكك، وان قوى إقليمية باتت تتطلع إلى إظهار مقاومة للسياسات الأمريكية. أو في الأقل أنها صارت تتردد عن تنفيذ أدوارها المرسومة في إطار مراعاة المصالح الأمريكية. في خضم هذه المعطيات لابد أن تندفع الولايات المتحدة نحو بلورة سياسات تدخلية شديدة، تؤكد خلالها جديتها في حماية مصالحها عندئذ ستعمل على أحداث تحول في سياسات العراق الخارجية، باتجاه المزيد من التقارب والتحالف مع المصالح والسياسات الأمريكية.
ستجد الدولتان( الولايات المتحدة والعراق )على أثرها إنهما داخلتين في علاقات تحالف( الأصيل-الوكيل )عند التعامل مع التفاعلات القائمة.

الفصل الرابع
نحو صياغة مستقبلية
للسياسية العراقية

هناك تناقضات في الواقع العراقي، يمكن أن تظهر نتائجها خلال المرحلة اللاحقة، تقتضي الضرورة معالجتها وإعادة رسم الغايات لعراق ما بعد. هل المسعى هو بناء العراق، والاهتمام بالداخل، أم أن الأولوية ستعطى للفاعلية وبناء الأدوار الدولية؟
لنتجنب قدر الإمكان الالتزام بأي شكل لنظام حكم أو الإشارة إلى شكل نظام حكم محدد على أنه الأفضل، طالما أن عدم الاتفاق على الخطوط العريضة لذلك الشكل هو السائد.
إن ما بعد لا يمس العراق فحسب، بل هو موضع اهتمام العرب ودول الجوار، كما هو اهتمام موضع القوى السياسية المتطلعة نحو الاستحواذ على مواقع متقدمة في الهرمية الدولية. وحتى لا يجد العراقيون أنفسهم في موضع من يرسم لهم شكل نظام الحكم ونوع السياسة (كاتجاهات) بشكل كلي، إنها دعوة إلى صياغة الغايات التي يريد العراقيون تحقيقها وبيان الصورة في جوانبها العريضة في الأقل. هذا دورنا كأكاديميين تشخيص الأداء السياسي (بغض النظر عن المرجعية السائدة)، ثم بيان السبل الداعمة له.
لقد دخل العراق خلال الأربعة عقود الأخيرة ثلاثة حروب مباشرة، الحرب الأولى تسببت فيها بالدرجة الأولى مرحلة وصول التطلعات العراقية القمة لأداء أدوار إقليمية وعربية واسعة. والتي وصلت ذروتها أواخر سبعينيات القرن الماضي، في الوقت الذي وجدت فيه إيران أن هذا في غير صالحها، وهي أيضا صاحبة مشروع ساعية إلى تنفيذه في الإقليم.
والحرب الثانية ولدتها رغبات القوة الكبرى (الولايات المتحدة)، والإقليمية (إسرائيل) في خفض أو تحجيم الدور الإقليمي والعربي للعراق.
والحرب الثالثة هي حرب تحرير العراق، أو قل حرب غزو العراق. لقد انتهت سيادة دولة، وانتهت قدرة القوى الوطنية على الحد من تأثير المتغيرات الخارجية في توجيه السياسة العامة للبلاد (إذا ما جادلنا البعض أن سيادة الدول أصبحت منقوصة في عصر المعلوماتية في محاولة لتبرير الوجود الأمريكي في العراق).
واليوم، وبعد أن تعرضت البلاد للتدمير، يتعرض العراق إلى تحدي إعادة تعريف دوره الدولي.
- فهناك سحب قوي للبلاد إلى الساحة الاقتصادية العالمية، والنظام الرأسمالي.
- وهناك دعوات وضغوط لتوجيه الموارد صوب دعم عمليات إعادة تأهيل وضع البلاد الدولي داخليا، وتأجيل الأدوار الدولية مرحلياً.
- وهناك ضغوط تجاه تعزيز عملية المشاركة السياسية الداخلية لجميع ألوان الطيف الداخلي عبر وضع معايير محددة للعبة السياسية.
- علاوة على ضغوط الاعتراف بإسرائيل وإكسابها الشرعية.
والسؤال المحرج الذي قد يتطلب إجابات مبكرة هو هل نحن بحاجة إلى معالجة الداخل أم التوصل إلى صياغة محددة للعلاقة مع الولايات المتحدة؟
هل علينا أن نسأل أم نساير، نركض أم نسأل إلى أين؟وكلاهما يتعلق بالمستقبل.
المتبصر يعرف أن رؤية المستقبل ليست عبثاً. وإن إمكانية تعديل جانب منه، أو الوصول إلى بعض النتائج المرغوبة شيء قائم. والخطأ هو الركون على حالة الضعف والتردي(قلة الإمكانات،تضاعف التزامات القوى السياسية تجاه الولايات المتحدة،الانقسام الطائفي). والصواب في تقويم وضع البلد هو معالجة علل الجسد، لا معاقبة الجسد على علله. فلا نعاقب عراقي حمل السلاح لأنه يحمل اعتقاد أنه الأداة الوحيدة للحصول على مصدر رزق ملائم، بل لنحاكم أسباب عدم توافر وسائل معيشة كريمة لهذا الإنسان ولنجد علاجاً لها.
وعطفاً على أعلاه، هل يمكن استحضار مستخلص، ذو فائدة، من المدح، تحاشي ذكر السلبيات، إبقاء خطوط حمر، والصناعة ثقيلة التصريف هي ذكر أنه عقد كذا مؤتمر وكذا ندوة، وكذا حلقة نقاشية، وكذا منتدى حوار، وكذا جلسة لاستثارة العقول، وفي كل من هذه المناسبات توزع عوائد وهدايا وامتيازات تدفعها القوى السياسية لأجل بقائها في ظروف أنجع. وإذا لم تكن هذه الغاية مطروحة فإن القائمين على هذه المناسبات يلتزمون بها لأجل ديمومة عوائدهم وليذهب العراق إلى الجحيم، فلا تغيير ممكن في مواجهة القوى القادرة على إثارة العنف إلا بعنف مقابل. هذا ما صرنا ندركه كأكاديميين. فالوجوه نفس الوجوه، والأفكار نفس الأفكار. والعمل (الفردي) محدود الجهد والنتاج، وفي هذا انتهاك للحقوق، وتعطيل للعقول. في حين تقدم الطروحات غير العراقية النقيض في تصوير البلد. أو ما سيكون عليه، دون الوقوف عند مرجع فكري محدد، إنما يتم استحضار كافة المداخل لرصد اتجاهات حركة تطور هذا البلد. وفي معظم الأحيان يجري لدى الدوائر الإقليمية والعالمية تفعيل لبعض تلك الاتجاهات بما يخدم أغراضها.
إن هذا الطرح قد تجاوزته الأحداث، والمسألة المثارة اليوم هي ما دور المتعلمين (الأكاديميين) في صياغة سياسة عراقية قادمة. هذا موضوع ثقيل التقبل، وخاصة على المستوى (الرسمي) الحالي الذي تتصارع فيه أكثر من قوة طمعاً في السلطة. ومعظم تلك القوى ليست من الأوساط المثقفة العراقية.. فالنظر إلى فئة تناقش، وتتطلع نحو تأصيل وتقنين الوظائف العليا التشريعية والتنفيذية بعيدا عن الاعتبارات السياسية، وتتخطى التذرع بالوضع الاستثنائي المحجم للتطور الاجتماعي السياسي أمر مرفوض من قوى جل قياداتها تتوسل طلب المدح والتصفيق لا المجادلة بشأن برامجها وغاياتها. وهذا مثير للقلق. ودواعي القلق ليس الدور السائد لهذه الفئة، فهنالك مجالات استشارية لها. لكن إيثار السكوت وترك الملفات في الأدراج، فيما يتعلق بحالة التطور الطبيعية، أو التصريف العفوي للسياسة، أو بقاء ظاهرة اللا مسائلة تطفو سلبياته بشكل كريه. فإذا ما تملك شخص يتصف بضآلة الفكر مواقع لها علاقة عن بعد أو قرب في صنع واتخاذ القرار فهو عندئذٍ لا يملك إلا اتخاذ قرارات غير مدروسة أو القبول والتنفيذ الحرفي لقرارات قيادته السياسية ونحن في حالة استثنائية،متطلعاً لعدم قطع امتيازات المنصب الذي استأثر به تحت يافطة لقب عشائري أو طائفي أو حزبي. وهذه مصيبة، لأن أخطاء عدم التقدير واسعة. وإذا ترك الأكاديميين للتجريد ستكون آراؤهم غريبة عن البيئة العراقية موضوع التطبيق، بحكم مرجعيتهم الأكاديمية. وسيكونوا هم أيضاً غرباء في هذه البيئة.
وإذا حمل الأكاديميون القيم السائدة في الثقافة السياسية العراقية، التي تدني من مكانة الكفاءة لصالح التعالي بالولاء، وتفرض ثنائية ولاء مقابل خيانة تجردوا من الموضوعية، ونزعوا نحو (التصفيق) لهذه القوة أو تلك لمعالجة حرمان من سلطة ومال. والحالة الأخيرة صارت تبرز اليوم بشكل واضح.
وطبيعة الرابطة التي تقيمها القوى السياسية مع الأكاديميين اليوم (استشارية) تدل على هشاشة فكرة الوطنية بين الأكاديميين في الغالب، طالما أن آراء هذه الشريحة تسوف تحت طائل التبرير، وليس التقييم وإعطاء التصورات، دفعاً للحصول على امتيازات الاستشارة. إن مصلحة عالم السياسة لا ترتبط بسياسة حاكم. فموقعه الناصح، والطبيب المعالج لمعضلات السياسة، وليس الداعم لنظام سياسي. وهذا ما يعطي السياسة فاعليتها، ويحدد الفجوة بين الاثنين في الوقت نفسه. فعالم السياسة الخبير في حقل عمله، العارف لعلاته، والباحث عن وسائل تسييره، مهما كان شخص الحاكم، له مفهوم محدد عن المصلحة الوطنية، وهو مقدار النفع العام الناجم عن الفعل الفردي والجمعي. في حين أن الحاكم بحكم مسؤوليته الرسمية له رؤيته، يذوب الرؤى الأخرى في تحديده لماهية المصلحة الوطنية. عند ذلك تكون الأخيرة عرضة للمزايدة بين الطرفين، طالما اختلفت دوافعهما تجاهها.
واليوم دواعي القلق ليس احتمالات انسياق الأكاديميين وراء الموجة فحسب، فما يستوقف الاهتمام ويستوجب المراجعة، وإعادة التقدير هو الآتي:
* إن إعادة التأهيل لدور البلاد مسألة وطنية جمعية – تشاورية، لا شخصية مرتبطة بشخص متخذ القرار أو القوى السياسية، رغم مسؤوليتهم، أو المتواجدين حولهم فقط. ويتحمل الأكاديميون (خبراء وعلماء السياسة تحديداً) وزر آداب ممارسة السياسة في تقديم النصيحة الحقة.
* يصعب الوقوف عند رأي واحد لإدارة سياسة عامة كلية لفترة طويلة دون تحمل أكلاف والتزامات تثقل كاهل الأجهزة الحكومية نفسها، طالما أصبح هذا الرأي هو المبدأ وليس الفائدة المرجوة منه. فما يصلح في زمان ومكان وفي مواضيع محددة قد لا يصلح في غيرها.
* الحاجة إلى التعشيق بين الأكاديمي والحاكم السياسي والقوى السياسية باتت ضرورة. فـ (السياسي) عموماً أميل إلى ممارسة سلوكياته بالوسائل المتاحة، وغريزة التملك والسلطة عنده قوية. والأكاديمي صار ينكر وطنيته، طالما أن التمسك بها غير مجدي اقتصادياً، ولا ترجى منها دفع للضرر، بل أنها قد توقعه في الضرر.
العراق ليس في حاجة إلى شخص آخر ليفض سراً استعصى أمره في شأن أزمة البلاد،ومستقبلها،على أشخاص الفئات السياسية فيه.إنما هي دعوة إلى التأمل في شرط تحتاج إليه البلاد في حاضرها، وهو الشك في القائم قبل أن يتحول إلى قانون ينظم حياتنا القادمة، والجرأة على مراجعة التركة السياسية التي نتعامل بها وكل ما عطل العقل وحبس حركته وفعله. وتكرس ذلك في ثقافة سياسية معطلة(29). ولنشك فيما يعد من الثوابت الوطنية، أو لنعيد تقييمها. ونتذكر ما تعلمناه أن الاستقلال هو كفاءة في الإدارة السياسية الاقتصادية منها والعسكرية والاجتماعية – الثقافية. دون ذلك الاستقلال فارغ...
وأن الديمقراطية تفاعل ما هو اجتماعي مع درجات النمو. دون ذلك فهي تجويف. وحمايتها لا يتأتى من دستور بل من وعي والتزام باحترامها؛ من القمة إلى قاع الشعب وبالعكس؛ وبتنفيذها...
وأن الدستور ليس منحة من قوة سياسية، بل هو تنظيم المصلحة العامة، منها وإليها، وكذلك الحال مع حقوق المواطنة...وأن العمل السياسي ليس جائزة إلى الغنى، إنما هو مسؤولية أولاً...
ومن الإشكالات التي تحتاج إلى دراسات اجتماعية – سلوكية سياسية واسعة توضع موضع التطبيق هي معالجة إشكالية الشرعية والطاعة في علاقة الحاكم بالشعب. فاتساع الفجوة بين الحاكم والشعب يجعل الطاعة غير متوافرة إلا بالقسر. وطريقة الإحضار هذه تنفي بقاء الشرعية.
وأخطر ما تمر به السياسة هو ممارسة عملها تحت الأرض، وفي السر، دون رقابة مسؤولة وقادرة. فالخفاء يوقع المحظور، ويحدر التعامل مع المواطنين، مثلما مع الآخرين، إلى سراديب الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يحول الحقوق إلى صفقات مشكوك في قيمتها وفي نتائجها.
والسياسة العامة كما هو معروف وسيلة لتحقيق غايات، فإذا ضاعت الغايات (تأهيل دور الكيان السياسي دولياً، وضمان رفاهية الشعب داخلياً)، انحدرت الوسيلة (السياسة العامة) من تحقيق المطلوب إلى تزييفه. ويقع خلط شديد بين الشرعية والحاكم. ويسمو النظام بعدها بنفسه إلى مرتبة الدولة، بمعنى تبخر المسافة بينه وبين الدولة.
ويزداد الأمر تعقيداً أنه على الرغم من فتح باب التعيين في الوظائف الحكومية للراغبين لأدوار خدمية – استشارية خارج دائرة الانتماءات الفئوية، إلا أن تأميم كافة السلطات الفعلية المتاحة بيد حلقة ضيقة تقوم على الولاء يظهر أزمة المشاركة بشدة. ويظهر فجوة بين النظام السياسي(قيد التشكيل) والشعب.
إنها دعوى إلى فاعلية سياسية لبلد، وقد يلومنا البعض قائلاً أن المسألة الآن هي بقاء العراق أو تحريره من الوجود السياسي الأمريكي، ونقول أننا ضد أن تطوقونا بخيارات ضيقة ولنعترف بالواقع ولنقلل الخسائر، وفي ذلك لا عاطفة ولا مجاملة لحساب شخص أو جهة. وقولنا هو أن الوصول إلى غاية محددة (المستقبل) قد يتطلب عمل شطب/ تأجيل/ تعديل... عناصر في بنية البنيان الحكومي وأشخاصه قد لا يتفق بقائها وتمام الغاية. أو إضافة أخرى جديدة له. وهذه مسألة سياسية تبنى على توافر المستند الشرعي في البقاء...
إن العراق،ككيان، يواجه تحديات عدة:
1. القدرة عل تأسيس مفهوم جديد وغير ظرفي للمواطنة، إذ تسود النظام السياسي في البلاد العناصر التالية:
- قلة المشاركة السياسية الفعلية.
- فاعلية نظام القبيلة والطائفة.
قد يشار إلى وجود مشاركة سياسية، والعمل جارٍ على وضعها في إطار قانوني(30)، لكن هذه التطلعات لا تزال متفائلة:
أولاً / التغيرات التي تحدث تأتي بدون أبنية مؤسسية ذات صلاحيات رقابية وسلطات تشريعية. وهذا يجعل السياسات الإصلاحية عرضة للإلغاء (في أي تحول في شخص الحاكم أو القوة التي تتطلع إلى الاستحواذ على السلطة). ونستدرك هنا أن وجود الدستور ليس ضمانة كافية بحد ذاته. فالدستور يصاغ ويوضع حسب مقاسات وتصورات لا تختلف كثيراً عن تلك السياسات.
ثانياً / مع ذلك، العقد الاجتماعي المتمثل بالدستور وبالضمانات الدستورية للحريات العامة، على الرغم من كونه مقيداً، يبقى عنصراً أساسياً في أي عملية إصلاح، ولا يمكن التنازل عنه. ويبقى العنصر الأساس هو توفير أدوات حماية حقوق المواطن. دون ذلك يضعف الإحساس بالانتماء وبروح الاندماج أو الانصهار الوطني ويدفع الأفراد نحو التغرب داخلياً، أو إعادة التمسك ببنية القبائل، وفي مستوياته الخطيرة طلب التغيير بوسائل العنف، وإن كان بدعم من قوى إقليمية وعالمية.
ثالثاً / إن الاعتماد على القبلية والطائفية في إسناد نظام الحكم قد ترسخ دورها بحيث صارت معوقاً حقيقياً مستقبلياً للإصلاحات السياسية والحياة الدستورية.
رابعاً / لا يمكن إلغاء أثر القبلية والطائفية في السياسات العامة إلا بإضعاف المبررات وتقليص الوظائف التي قامت من أجلها. فهي صارت توفر عقلية عامة تسيطر على مسالك صياغة القرارات وتنفيذها عند مختلف المستويات في العموم.
خامساً / لازالت مسألة مستقبل نظام الحكم، والأبنية المؤسساتية والأجهزة المرافقة غير محسوم بشكل دستوري.
2. التحديث السياسي الذي يتيح مشاركة في صناعة القرار ومؤسسته. هذا التحدي مستمد من إنموذج النظام السابق والإنموذج المقترح اليوم. فالقبيلة والطائفة تشكل أحد أعمدة مؤسسات المجتمع السياسي، ومنها يستمد نظام الحكم شرعيته الداخلية. ولم تستطع الخيارات الوطنية أن تهز حقيقة هذه الشرعية.
ويتبين أثر القبيلة أو الطائفة من خلال سيطرتها على مرافق البلاد المختلفة، الأجهزة الرقابية – الأمنية، البيروقراطيات... وخصائص العلاقة التي يقيمها هذا الأثر هي:
- التوجه نحو حفظ هياكل القوى السياسية الفئوية، وهي تمنح امتيازات للتوابع مقابل مساندة غير مشروطة لهذه الهياكل.
- هذا التكتل ضد روح الدستور والديمقراطية. وهو تصريف (أبوي) للسياسات.
- هذا التوجه يقتات على مخاوف الناس من قضايا غير محسومة أو من قضايا مسيسة.
3. إيجاد نظام أمن داخلي من التهديدات الخارجية. إن الأزمة العراقية تنبع في جانب منها من الافتراضات التي يبنى عليها النظام السياسي.فالتغيير الذي حصل لم يكن يهدف إلى إشباع حاجات الداخل بقدر ما صمم ليكون العراق دولة تسير على ركب الولايات المتحدة.إن مسألة الأمن لا يمكن أن تؤخذ بمعزل أو بشكل مبتسر عن الاعتبارات السياسية – الاجتماعية الموجهة للحركة السياسية الداخلية. ولنتذكر قوله تعالى: "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوفٍ"، فإذا ما ضمنت المسألتان الواردتان في النص الكريم تكون شواغر المواطن وحاجاته الداخلية مشبعة، عند ذلك يكون مستوى تقبله للطروحات الأخرى، إعادة بناء الدولة مثلاً، نابع من إرادة داخلية فعلية تعزز مواجهة التحديات الأخرى. بالطبع إن التحديات التي تواجه أمن البلاد ليست كلها داخلية، فجزء هام منها هو خارجي. لكن من الصعب حصر الأمن بالتقاطع مع قوى خارجية (فهذه المسألة ستجرنا إلى أمن النظام (قيد التشكل)أكثر منه نحو أمن البلاد). فالتطلع نحو الاستقلال عقيدة سبقت وجود التحديات الخارجية. وهكذا دواليك.
4. توسيع العلاقات الدولية، وتنويعها، فالولايات المتحدة تملك وسائل دعم عملية التنمية في العراق، إذا أرادت، لكن تلك الوسائل يمكن الحصول عليها من مصادر ثانية، وإذا ما ارتبطت علاقاتنا بهذه المصادر الأخيرة باعتبارات اقتصادية فحسب ربما تكون فرص كسبها لصالح موقف البلاد أفضل، بدلاً من دفع أكلاف لصالح الانسياق وراء الولايات المتحدة. ولنتذكر العملية الاقتصادية أن التاجر ذو ثروة (500 مليون دولار) لا يستطيع التعامل في السوق إلا ضمن النطاق الذي تتيحه له ثروته المالية. وذكاء التاجر هو عدم دفع كل الثروة للسوق، ومغامرته هو في دفع كل تلك الثروة للسوق وتحمل الخسارة إن وجدت.وكلامنا هنا هو للمستقبل وليس للقوى السياسية المتواجدة في الساحة خلال الخمسة أعوام القادمة.فهذه ولاءها السياسي للولايات المتحدة،ولا تستطيع تجاوز التزاماتها السياسية إزاءها.
ما يدفعنا إلى الكلام المتقدم، أن فرضيات التحول في السياسة العراقية كأطراف صانعة له أو اتجاهات ظاهرة منه، صارت تخريجات سياسية دولية وكتابات أكاديمية عديدة لا موضع هنا لإثبات جديتها. وحتى لا يجد البلد نفسه في وضع من يرسم له سياسته بشكل كامل أو حتى بواسطة أطراف غير وطنية، لتكن المبادرة داخلية برسم/ صياغة وضع البلد وسياساته.
لكن، هل يتوقع حدوث تحولات في الثقافة السياسة العراقية؟
داخلياً، لا يوجد توقعات متماسكة في إعادة رسم الخريطة السياسية العراقية على نحو جذري باتجاه قبول المزيد من التعددية. فالإحجام ثقافة عراقية دفعا لأذى غير متوقع أبعاده، وأعباءه. وطلب التغيير غير محبب. والنهج غير السليم للخطاب الدعائي ينتهي إلى تعولم المجتمع على أسس مشوهة في الغالب، تقوم على تقمص مظاهر، وقيم وعلاقات غريبة عنه، إسقاطاتها تكرس الخضوع مقابل ضمان حياة الاستهلاك. ولا اتفاق على أولويات لهذا البلد، فالمسألة هي توافر فرص على أرض الواقع الفائز من يغتنمها.
ويبقى هناك مشهد تطورات داخلية، تنتهي عندها القوى السياسية إلى ضرورة إحداث التحول. وهذا فرض قابل للتحقق، وأمره مرتهن بتوافر مرجعيات عديدة تدعو إليه، وتجعله محور نشاطها. المهم أن هذا التحول قد يأخذ منحى الاندماج بالبيئة العالمية. والبيئة الدولية من جانبها تقوي عناصر هذا الفرض، وتدفع له، فالبلدان العربية ليست خياراً ناجعاً للعراق، والولايات المتحدة تملك إمكانات إعادة تأهيل دور العراق الدولي، وبعض الفئات الاجتماعية (المغربون) تدافع عنه. وحجم المناورة هنا محدود؛ مرهون بتقبل الولايات المتحدة له، أو بدرجة أدنى عدم معارضتها عليه.
أو قد تميل السياسة العراقية نحو الانزواء والعزلة، لضمان موارد البلاد، ولتقليل كلف أي تصادم مع البيئة الدولية. ويلاحظ أن طول المعاناة (العقوبات) دفع منذ فترة ليست بالقصيرة إلى طاولة النقاش الأكاديمي والشعبي إلى البحث عن وضع ضوابط لمسائل الشرعية والطاعة في علاقة النظام السياسي بالشعب، وأي نظام سياسي محتمل لا يمكن أن يقفز على هذا المتغير الناجم عن ازدياد الوعي، ومن ثم سيكون دافعاً له نحو إعطاء الأولوية للداخل. وما يدفع إلى تصور حدوث هكذا فرض (العزلة) هو عدم تعويل العراقيين على العرب في إعادة تأهيل وضع البلد، كما أن القوى السياسية تعيش مرحلة تقبل شرعية النظام الدولي الراهن. بمعنى آخر، الإقرار بأن الوضع الدولي غير مؤاتي لتجاوز حالة الإذعان للقطب الواحد دون أكلاف سياسية صعبة القبول.
وتبقى هناك مطالب البيئة الخارجية في إحداث التحول في الشكل المطلوب للسياسة العراقية.
إقليمياًَ، إسرائيل من أهم القوى المطالبة (في الأقل) إعادة تشكيل الدور العراقي على نحو لا يتعارض مع وجودها. وتكاد إيران تلتقي معها في الغاية ذاتها(31). فهي تنظر إلى العراق كقوة منافسة لها على امتداد التاريخ، يقتضي الحال احتواءه. ويعمق هذا التقاطع اختلاف نظرتهما لأدوارهما الإقليمية الممكنة.
وينبغي حساب عواقب أفعال القوتين نحو العراق، ودرجة تورطهما في السياسة الدولية الهادفة إلى تشكيل (سياسة عراقية). يقابل ذلك، مطالب السياسة الأمريكية في وضع أطر محددة لشكل نظام الحكم القادم، أو حتى شخوصه. وهو صورة من صور التدخل وفرض الوصاية في رسم مستقبل هذا البلد، وله إسقاطات هامة، نظراً لحجم الإمكانات المتاحة للولايات المتحدة في تنفيذ سياساتها، وصدقية سلوكها، ووقوع البيئة العربية والإقليمية للعراق في دائرة التأثير الأمريكي (علاوة على التزام العديد من القوى العراقية بالخيار الأمريكي مقابل وعود بمكتسبات على أرض الواقع). إذ ستظهر وتختبر المصداقية عندما يكون وضع العراق مدعاة لانفلات القطبية الأحادية، واستكانة لعناصر القوة والهيبة الأمريكية.
دون ذلك، هناك ضرر يتوقع حدوثه تجاه المصالح الأمريكية جراء عدم ضبط الوضع السياسي العراقي عربياً وإقليمياً، بمعنى أن يكون العراق مستقلاً في اتخاذ قراراته. وأن من متطلبات تحقيق تلك المصالح هو ضمان تدفق يسير للبترول العربي إلى الغرب، واشتراط ذلك التدفق بحماية أمريكية يجعل الغرب واقعاً تحت ضغوط القبول الدائم بالقيادة الأمريكية. كما سيكون العراق في حالة ضبط سلوكه قاعدة رادعة للقوى الدولية التي في الأقل تظهر العداء للولايات المتحدة.
وتبقى هنا التساؤلات المفتوحة امام الدراسات العلمية هي هل ستدفع الولايات المتحدة بالعراق نحو تأصيل وضعه الدولي بحيث يكون قاعدة أمريكية متقدمة.أم أنها ستدخل في مرحلة مواجهات غير محسوبة النتائج مع الشعب العراقي؟
ما نتلمسه اليوم هو ظهور بوادر تحول في السياسة الأمريكية إزاء العراق يجد صداه في صياغة هدف أقل تكلفة سياسية يمكن توصيفه بالانتقال من المواجهة غير محسوبة النتائج وغير الممكنة أحياناً مع الشعب. وغير المرغوب فيها في الوقت الحاضر، إلى دبلوماسية استنزاف القوى الداعية إلى خروج المحتل بواسطة العراقيين انفسهم من خلال الحفاظ على وضع دولي مستقر ومنح العراقيين سلطات سياسية محدودة ومنع حدوث تغييرات جوهرية من الداخل. وأسباب هذا التحول يمكن أن يعزى إلى كون الولايات المتحدة لم تعد قادرة على التدخل بشكل منفرد ولمدة طويلة في مختلف الأقاليم دون الحصول على موافقة أو عدم معارضة القوى الدولية الأخرى. كما أن الاستمرار في التورط المباشر في العراق فيه استنزاف، علاوة على أنه سيعظم من مكانة إيران الإقليمية حيث لن يكون بوسع الولايات المتحدة الانصراف إلى إيران في وقت لاحق، وهذا غير مقبول أمريكياً.
والتحدي الذي يواجه القوى السياسية المختلفة في العراق هو إعادة صياغة العلاقة بين العناصر السابقة، بإجماع وطني مقبول. فيتم تخريج نمط سياسي يوازن بين مطالب الداخل في الفاعلية والرفاه، وتحديات الخارج في تذييل وضع العراق الدولي وجعله تابعاً للولايات المتحدة. وبين واقع الوجود السياسي الأمريكي وثوابت الداخل المراهن على الاستقلالية. وبين الموارد المتاحة والغايات المقصودة وواقع البيئة الدولية.

الهوامش


hguvhr Lvcdm lsjrfgdm












عرض البوم صور سفين جلال   رد مع اقتباس
قديم 22-10-2008, 02:09 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
عبدالله الخرافي
اللقب:
 
الصورة الرمزية عبدالله الخرافي

البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 5317
المشاركات: 2,367 [+]
بمعدل : 1.02 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 1398
نقاط التقييم: 10
عبدالله الخرافي is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبدالله الخرافي غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : سفين جلال المنتدى : الجغرافيا السياسية
افتراضي رد: العراق /رؤية مستقبلية

مجهود رائع بارك الله فيك












عرض البوم صور عبدالله الخرافي   رد مع اقتباس
قديم 25-10-2008, 02:43 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
عراقية
اللقب:
 
الصورة الرمزية عراقية

البيانات
التسجيل: Oct 2008
العضوية: 8776
المشاركات: 13 [+]
بمعدل : 0.01 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 1096
نقاط التقييم: 10
عراقية is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عراقية غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : سفين جلال المنتدى : الجغرافيا السياسية
افتراضي رد: العراق /رؤية مستقبلية

الله يديم العراق النا ويطلع الاحتلال منه

مشكوووووووووور على المجهود الرائع












عرض البوم صور عراقية   رد مع اقتباس
قديم 06-12-2011, 09:33 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
موهبة
اللقب:
 
الصورة الرمزية موهبة

البيانات
التسجيل: Apr 2011
العضوية: 46982
المشاركات: 89 [+]
بمعدل : 0.07 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 645
نقاط التقييم: 10
موهبة is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
موهبة غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : سفين جلال المنتدى : الجغرافيا السياسية
افتراضي رد: العراق /رؤية مستقبلية

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .












عرض البوم صور موهبة   رد مع اقتباس
قديم 23-02-2012, 10:06 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
محمد توفيق الغراني
اللقب:

البيانات
التسجيل: Sep 2011
العضوية: 48148
العمر: 25
المشاركات: 368 [+]
بمعدل : 0.32 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 608
نقاط التقييم: 10
محمد توفيق الغراني is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد توفيق الغراني غير متواجد حالياً

كاتب الموضوع : سفين جلال المنتدى : الجغرافيا السياسية
افتراضي رد: العراق /رؤية مستقبلية

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .












عرض البوم صور محمد توفيق الغراني   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دور العوامل الاجتماعية فى التنمية الكمية للسكان فى العراق إنسان أنا جغرافية السكان 7 15-10-2014 01:39 PM
الموقع الجغرافي لاقليم كوردستان العراق سفين جلال الجغرافيا السياسية 11 23-02-2012 10:00 AM
العراق .. المشكلة و الحل/دراسات نقدية سفين جلال الجغرافيا السياسية 5 24-01-2010 11:27 PM
السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق بعد التاسع من نيسان ‏2003‏‏ سفين جلال الجغرافيا السياسية 0 19-01-2009 08:29 AM
البعد السياسي لموقع اقليم كوردستان العراق تاريخيا سفين جلال الجغرافيا السياسية 3 20-09-2008 11:02 AM

تطبيق أذكار الصباح والمساء

ضع بريدك هنا ليصلك كل ماهو جديد:


الساعة الآن 03:29 PM بتوقيت مصر

::::::: الجغرافيون العرب :::::::

↑ Grab this Headline Animator

صحيفه بحر نيوز

اخبار مصر


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
نسخة التميز
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
الحقوق محفوظة لمنتدى للجغرافيين العرب